العزلة الوجودية وإخفاء الذات: علم النفس يكشف أخطر أنواع الوحدة وتأثيرها الخفي على الصحة


هذا الخبر بعنوان "العزلة عن الناس ليست أخطر أنواع الوحدة.. علم النفس يوضح" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٠ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: جمال نازي
عندما يسمع الكثيرون كلمة "وحدة"، غالبًا ما يتخيلون شخصًا معزولًا جسديًا، كمسن يقضي أيامه وحيدًا في منزل هادئ أو طالب جامعي يتناول طعامه بمفرده في غرفته. هذه الصورة النمطية لشخص منعزل هي السائدة. ورغم أن هذا النمط من الوحدة حقيقي وموثق جيدًا، إلا أنه ليس الأخطر من حيث الضرر النفسي طويل الأمد. يشير موقع Global English Editing إلى وجود حالة نفسية يدرسها الباحثون منذ عقود، قد تكون من أشد أنواع الوحدة فتكًا.
العرب والعالم: ماكرون: القيادة الإيرانية لا يمكن أن تتغير بالقصف فقط.
يُطلق علماء النفس حاليًا على أخطر أنواع الوحدة مصطلح "العزلة الوجودية". هذا الشعور ينبع من إحساس الفرد بأن تجربته الداخلية منفصلة تمامًا عن المحيطين به، حتى وإن كان محاطًا بهم فعليًا. الأمر لا يقتصر على مجرد الوحدة، بل يتجاوزها إلى الشعور بأنه غير مرئي أو غير مفهوم حقًا.
أبحاث إليزابيث بينيل وزملائها كشفت هذا التمييز بعمق، مؤكدة أن العزلة الوجودية تعمل بشكل مستقل عن الشعور العام بالوحدة. فقد يمتلك الشخص جدولًا اجتماعيًا مزدحمًا، وقائمة واسعة من المعارف، وسمعة طيبة كشخص يجمع الآخرين، ومع ذلك يحمل هذا الانفصال الداخلي كعبء ثقيل. المشكلة هنا ليست في غياب الأشخاص، بل في غياب معرفة الذات الحقيقية للشخص.
من المفاهيم الهامة في علم النفس هو "إخفاء الذات"، الذي يُعرف بالجهد الواعي لإخفاء معلومات شخصية جوهرية عن الآخرين. عالم النفس ديل لارسون صاغ هذا المفهوم لأول مرة في جامعة سانتا كلارا. دراسته الأصلية عام 1990 أظهرت أن عادة إخفاء الذات الحقيقية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالقلق والاكتئاب، بالإضافة إلى أعراض صحية جسدية.
يختلف إخفاء الذات عن الخصوصية التي تضع حدودًا؛ فهو أداء تمثيلي، جهد مستمر ومتعمد لتقديم صورة عن الذات تلقى القبول، مع إخفاء الجوانب التي يُخشى رفضها. النتيجة الحاسمة في بحث لارسون كانت أن التبعات الصحية لإخفاء الذات لا تنبع أساسًا من السر بحد ذاته، بل من الجهد المعرفي المتواصل للحفاظ على الفجوة بين الذات الظاهرة والذات الحقيقية. الإجهاد لا يكمن فيما يخفيه الشخص، بل في عملية الإخفاء نفسها.
عندما تتسع دائرة معارف الشخص، فإنه لا يختبر مجرد تكيف اجتماعي، بل انفصالًا مزمنًا عن حياته الحقيقية. فالمحيطون به، مهما بلغ إعجابهم به أو كثرت دعواتهم له، يتواصلون مع نسخة من شخصيته ليست موجودة بكامل كيانها. هذه حالة خبيثة للغاية؛ فالعلاقة لا تكون فارغة بسبب عدم اكتراث الطرف الآخر، بل لأن النسخة التي يتعاملون معها من الشخص هي مسودة منقحة بعناية فائقة.
يستمر الأداء التمثيلي للشخصية المزيفة لأنه غالبًا ما يُكافأ، وليس لجبن الآخرين أو افتقارهم للوعي الذاتي. في مرحلة معينة من الحياة – غالبًا في سن مبكرة، أو ضمن عائلة كانت فيها الصراحة العاطفية محفوفة بالمخاطر، أو في بيئة اجتماعية تتطلب تكيفًا مستمرًا – حققت الذات المتصنعة نتائج أفضل من الذات الحقيقية. استجاب المحيطون بحرارة أكبر، وانخفضت مستويات الصراع، وظهرت فرص جديدة. وهكذا، يسجل الدماغ هذه الاستراتيجية كفعالة ويقوم بأتمتتها.
دراسة أجراها أليكس وود وزملاؤه في جامعة ستيرلنغ حول الحياة الأصيلة، أظهرت ارتباطًا وثيقًا بين الأصالة والرفاهية. كما بينت أن الأفراد الذين تعلموا كبت ذواتهم الأصيلة غالبًا ما فعلوا ذلك استجابةً لبيئات كانت تعاقب الصدق. هذا الكبت لم يكن عصابيًا، بل كان تكيفيًا، وقد حل مشكلة حقيقية في حينه. تكمن المشكلة في استمرار هذا الحل لعقود بعد زوال التهديد الأصلي.
غالبًا ما يحمل الأشخاص الذين نشأوا في أسر فوضوية أو غير مستقرة عاطفيًا هذا النمط بوضوح. لقد بنوا أنظمة مراقبة داخلية لقراءة الأجواء وتوقع الاحتياجات والتكيف وفقًا لذلك، ليصبحوا بارعين في الأداء كآلية للبقاء. والآن، في مرحلة البلوغ، ورغم أنهم محاطون بأشخاص قد يتقبلونهم كما هم، لا يستطيعون التوقف عن هذا الأداء لأن جهازهم العصبي لم يتلقَ إشارة واضحة بزوال التهديد.
ما يجعل هذا النوع من الوحدة خطيرًا بشكل خاص هو طبيعته الخفية، ليس فقط عن الآخرين، بل حتى عن الشخص الذي يعاني منه. فعندما يكون الفرد نشطًا اجتماعيًا، ويسعى الناس إلى صحبته، وينظم حفلات العشاء ويتواصل مع الأصدقاء، تبدو كلمة "وحدة" غير مناسبة للوصف. هذا الشعور يُعاد تصنيفه داخليًا ليصبح "إجهادًا" أو "إنهاكًا" أو قلقًا غامضًا لا يمكن تسميته، وبالتالي لا يمكن معالجته بفعالية.
دراسة تحليلية رائدة أجرتها جوليان هولت-لونستاد في جامعة بريغهام يونغ، أثبتت أن الشعور بالعزلة الاجتماعية – أي الإحساس الذاتي بالانفصال، بغض النظر عن مستوى التواصل الاجتماعي الفعلي – يحمل مخاطر صحية تضاهي تدخين خمس عشرة سيجارة يوميًا. الجسم لا يميز بين التواجد وحيدًا في غرفة فارغة والتواجد وحيدًا في غرفة مزدحمة؛ فهو يسجل غياب التواصل الحقيقي في كلتا الحالتين.
تشير الأبحاث حول اللطف الحقيقي والتواصل باستمرار إلى حقيقة غير بديهية: أن إظهار الضعف لا يضعف الروابط الاجتماعية، بل هو الآلية الأساسية التي تتشكل من خلالها العلاقات الحقيقية. الذات المصطنعة قد تحظى بالإعجاب، بينما الذات الحقيقية هي التي تحظى بالألفة. وهما ليسا شيئًا واحدًا، رغم أنهما غالبًا ما يُعاملان كمرادفين.
قد يكون التمييز بين الاستمتاع بصحبة شخص ما ومعرفته حقًا من أهم الدروس التي يتعلمها الإنسان في حياته. فالفرد قد يستمتع بصحبة المئات، لكنه يحمل في داخله شعورًا عميقًا بالوحدة لا اسم له. في المقابل، قد يعرفه شخص واحد فقط، فيشعر حينها، لأول مرة، وكأنه حاضر حقًا في المكان.
المصدر: اخبار سورية الوطن 2_وكالات _العربية
صحة
صحة
صحة
رياضة