أوكرانيا "مختبر حي" لمواجهة المسيّرات الإيرانية: لماذا تستعين واشنطن بخبرة كييف في حرب الطائرات منخفضة التكلفة؟


هذا الخبر بعنوان "لماذا لجأت الولايات المتحدة إلى خبرة أوكرانيا في حرب الطائرات المسيّرة ضد إيران؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١١ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في ظل التحدي الذي تفرضه صواريخ باتريوت الباهظة التكلفة في مواجهة الطائرات الإيرانية المسيّرة، التي لا تتجاوز تكلفتها آلاف الدولارات، تبرز أوكرانيا كـ"مختبر حي" وشريك استراتيجي قد يحمل مفاتيح الحل للولايات المتحدة. مع تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، تسعى واشنطن وحلفاؤها في الشرق الأوسط لإيجاد حلول فعالة للتصدي للطائرات المسيّرة الإيرانية، لا سيما طراز Shahed drone (شاهد)، التي أصبحت أداة رئيسية في الهجمات الجوية منخفضة التكلفة. في هذا السياق، تبرز أوكرانيا كطرف رئيسي قادر على تقديم خبرة عملية قيمة، اكتسبتها على مدى سنوات من مواجهة هذا النوع من الهجمات في حربها مع روسيا.
وقد أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن الولايات المتحدة تواصلت مع كييف لطلب الدعم التقني والخبرات في مجال الدفاع ضد الطائرات المسيّرة. وأشار زيلينسكي إلى أنه أصدر تعليمات بتوفير الموارد اللازمة وإرسال خبراء أوكرانيين للمساعدة في تأمين الحماية المطلوبة. كما أبدت عدة دول في الشرق الأوسط اهتماماً بالتعاون مع كييف في هذا المجال. وكشف زيلينسكي أيضاً أن أوكرانيا مستعدة لتبادل طائراتها المسيّرة الاعتراضية بمزيد من منظومات باتريوت الأميركية للدفاع الجوي، بهدف تعزيز حمايتها من الصواريخ الباليستية الروسية.
منذ بدء الحرب مع روسيا، واجهت أوكرانيا آلاف الهجمات بالطائرات المسيّرة التي تستخدمها موسكو. دفع هذا الواقع أوكرانيا إلى تطوير حلول دفاعية مبتكرة ومنخفضة التكلفة لمواجهة أسراب الطائرات المسيّرة. وقد نجح المصنعون الأوكرانيون في تطوير طائرات مسيّرة اعتراضية منخفضة التكلفة، حيث تشير تقارير إلى أن تكلفة بعضها لا تتجاوز 1000 دولار أميركي، وبوزن يصل أقصاه إلى 15 كغم، وسرعة قد تبلغ 250 كم/ساعة، وهي مصممة خصيصاً لتعقب طائرات "شاهد". يشهد قطاع الطائرات المسيّرة الأوكراني نمواً سريعاً، مما أدى إلى فائض في الإنتاج، وهذا الواقع أعاد تشكيل قواعد الدفاع الجوي وجذب اهتمام الدول الأخرى.
يوضح الباحث في الشؤون العسكرية والاستراتيجية، مصطفى الأسد، لـ"النهار" أن الصراعات غالباً ما تدفع الدول نحو تطوير تقنياتها العسكرية ضمن إمكاناتها المادية. ويشير إلى أن أوكرانيا استوعبت هذا الدرس بسرعة، حيث بذلت معاهد الأبحاث فيها جهوداً مكثفة لتطوير أنواع متعددة من الطائرات الاعتراضية المصممة لتدمير المسيّرات الإيرانية والروسية بتكلفة منخفضة. ويضيف الأسد أن تكلفة بعض هذه المعترضات لا تتجاوز ثلاثة آلاف دولار، وهو مبلغ زهيد جداً مقارنة بأنظمة الدفاع التقليدية. وقد أتاح الخبراء الأوكرانيون تصميمات هذه الأنظمة بطريقة المصدر المفتوح، مما يسهل على أي جهة إنشاء خطوط إنتاج لها عند الحاجة، وهو ما ساهم في تسريع وتيرة إنتاجها. ويؤكد الأسد أن هذا التطور السريع لم يكن ليتحقق لولا امتلاك أوكرانيا لقاعدة علمية وصناعية قوية وكونها دولة متقدمة تكنولوجياً في هذا المجال.
يُعد الفارق الهائل في التكلفة بين وسائل الدفاع والهجوم أحد الأسباب الرئيسية لاهتمام الولايات المتحدة بالخبرة الأوكرانية. ففي حين قد تصل تكلفة الصاروخ الاعتراضي من منظومة Patriot missile system (باتريوت) إلى ما بين 12 و13 مليون دولار، لا تتجاوز تكلفة الطائرة المسيّرة الإيرانية من طراز "شاهد" عشرات آلاف الدولارات. هذا التفاوت الكبير يجعل استخدام الصواريخ المتطورة ضد طائرات رخيصة حلاً باهظاً وغير مجدٍ على المدى الطويل، خاصة في ظل الهجمات الكثيفة التي قد تتضمن إطلاق عشرات أو مئات الطائرات المسيّرة في آن واحد.
يرى الخبراء أن ظهور الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة يستدعي إعادة تقييم لمفهوم الدفاع الجوي التقليدي. ويوضحون أن حلف الناتو (حلف شمال الأطلسي) كان قد تخلى منذ ثمانينات القرن الماضي عن العديد من الأنظمة الدفاعية البسيطة، مرجحاً أن المستقبل سيكون لأنظمة الدفاع الصاروخي المتطورة. ووفقاً للأسد، خرجت العديد من أنظمة الدفاع الرشاشة من الخدمة، إلى أن كشفت الحرب في أوكرانيا الحاجة الملحة مجدداً إلى وسائل دفاع بسيطة وقصيرة المدى، مثل الأنظمة المزودة بمدافع رشاشة عيار 25 أو 30 ملم. ويضيف أن غياب هذه الأنظمة دفع الأوكرانيين إلى الاعتماد على الطائرات الاعتراضية منخفضة التكلفة لمواجهة المسيّرات. ويؤكد أن الدول التي تتعرض حالياً لهجمات بالطائرات المسيّرة الإيرانية تحتاج إلى مزيج من الوسائل الدفاعية، وليس حلاً واحداً فقط. فالطائرات الاعتراضية قد تكون فعالة للغاية، لكنها لا تلغي الحاجة إلى أنظمة دفاع قصيرة المدى تعتمد على مدافع رشاشة خفيفة أو متوسطة.
بالنسبة لأوكرانيا، يمثل الاهتمام الأميركي وغيره بخبرتها العسكرية فرصة لتعزيز مكانتها الدولية. فمشاركة هذه الخبرات قد تمنح كييف نفوذاً دبلوماسياً أكبر وتفتح آفاقاً لشراكات عسكرية وتقنية جديدة. وفي الوقت نفسه، يشدد المسؤولون الأوكرانيون على أن أي مساعدة خارجية لن تكون على حساب الدفاعات الداخلية للبلاد في حربها المستمرة مع روسيا. ومع استمرار النزاعات في ساحات متعددة، يبدو أن خبرة أوكرانيا، التي تشكلت تحت ضغط الحرب، قد تحولت إلى مورد استراتيجي تسعى القوى الدولية للاستفادة منه في مواجهة تحدي الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة