تشابك المصالح في دمشق: قراءة تحليلية في مفهوم الثالوث المدمّر بين السلطة ورجال الدين ورأس المال


هذا الخبر بعنوان "«الثالوث المدمّر»" نشر أولاً على موقع syria.tv وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يُعدّ مفهوم «الثالوث المدمّر» الذي اجترحه الطبيب والسياسي ياسر العيتي من أدق التوصيفات لتشابك مصالح السلطة والمؤسسة الدينية وطبقة رجال الأعمال الطفيلية في دمشق مطلع القرن الحادي والعشرين. وهو الطرح الذي اعتمده توماس بيرييه في دراسته المرجعية «الدين والدولة في سوريا»، وتحديداً في فصل «تحالف العمامة ودفتر الشيكات»، لتفكيك شبكة التخادم البراغماتي بين هذه الأطراف، رغم الخلل الجوهري في موازين القوى لصالح الشق الأمني لنظام الأسد.
يلخّص العيتي ديناميكية هذا التحالف الثلاثي بصفقات نفعية متبادلة، فالشيخ يرى في السلطة حمايةً لجماعته، وفي التاجر مصدراً لتمويل جمعياته، والمسؤول يستغل الشيخ لضبط الشارع والتاجر لتحصيل مكاسب غير مشروعة مقابل التغاضي عن تجاوزاته، بينما يشتري التاجر حماية المسؤول لتمرير فساده ويسعى للتكفير عن ذنوبه عبر تمويل الشيخ بذهنية رشوة تتوهم شراء الخلاص في الآخرة.
بحسب بيرييه، شكلت هذه المنظومة التبادلية ركيزة تماسك النخب السورية وتجاوز حالة الريبة والازدراء المتبادل بينها، ما وفّر للنظام شبكة أمان داخلية ومكّنه من تجاوز أزمة السياسة الخارجية الحادة بين عامي 2004 و2006. ولعلّ محمد حمشو، عبر زيارته للشيخ أسامة الرفاعي وحرصه على نشر صورتها، يسعى إلى حجز موطئ قدم له في أيّ تحالف ثلاثي قد يتشكّل في مرحلة ما بعد سقوط الأسد، فضلاً عن تذكير الشيخ بتلك اللقاءات الودية التي جمعتهما قبل قرابة عقدين.
تعود جذور التحالف البنيوي بين النخبة الدينية والطبقة البرجوازية في دمشق إلى المرحلة العثمانية، حيث استند كبار العلماء التقليديين إلى عوائد الأوقاف والملكيات العقارية والتجارة الكبرى، ومثل هذا النموذج أعيان بارزون من قبيل سعيد الحمزاوي وعبد القادر الخطيب. ومع دخول أنماط التعليم الحديثة وإرساء بيروقراطية الدولة الحديثة، أدركت النخبة الأرستقراطية الحاكمة للحقل الديني أن رأس المال لم يعد يمر عبر حلقات المساجد القديمة، ما أدى إلى «التخلي الطوعي عن العمامة» وتوجيه الأبناء نحو جامعات باريس وإسطنبول.
أطلق هذا الانسحاب تحولاً ديمغرافياً ملأ الفراغ من خلال جيل جديد من الطبقات الوسطى والحرفيين وصغار التجار، مجسداً بالشيخ بدر الدين الحسني الذي حرر السلطة الدينية من التوارث الطبقي. ومع تأميم الأوقاف في الحقبة البعثية، تجاوز الجيل الجديد صدمة تفكك الريع عبر نسج تحالف عضوي مع الطبقة التجارية الصاعدة مثل علي الدقر وحسن حبنكة وصالح الفرفور وعبد الله سراج الدين، مؤسسين لشبكة تمويل أهلي لا مركزية.
في مواجهة التحديات واحتكار الدولة للتعليم، تبنت النخب الدينية «عصرنة تربوية هجينة» من خلال تحديث المعاهد الشرعية وتأسيس «معهد الفتح الإسلامي» وجماعة زيد بقيادة الشيخ عبد الكريم الرفاعي في جامع زيد بن ثابت بدمشق، لإنتاج نموذج «المهندس التقي» و«الطبيب الفقيه». ومع اندلاع الثورة عام 2001 وما بعدها، وُضِعت الهياكل الدينية التقليدية أمام استحقاق وجودي عَرّى عقوداً من البراغماتية، ليجد النظام والمؤسسة الدينية أنفسهما أمام واقع جديد كشف إفلاس الخطاب التقليدي وتشتته بين بطش السلطة وتطلعات جيل جديد.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة