نساء سوريا في مواجهة غلاء المعيشة: "الطبخة اليومية" تتحول إلى معادلة صعبة


هذا الخبر بعنوان "نساء على مفترق “الطبخة اليومية”.. الأسعار تسبق قدرتهن على الاختيار" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١١ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تجد "فردوس"، البالغة من العمر 52 عاماً وربة المنزل، نفسها في حيرة دائمة بين بسطات الخضار، وكأنها تبحث عن حلول مبتكرة لوجبة اليوم أكثر من بحثها عن مكونات محددة. ترفع حبة بندورة، تستفسر عن سعر الكوسا، ثم تعيدهما إلى مكانهما بخطوة مترددة، حاملة في كيسها ربطة بقدونس فقط، وفي ذهنها عشرات الاحتمالات المؤجلة لطبخة لم تحسم بعد. هذا المشهد، الذي رصده "سناك سوري" في تقرير خاص، يعكس واقعاً مريراً.
فمع الارتفاع المتسارع والمستمر في أسعار الخضار والفواكه والحبوب في مختلف أنحاء سوريا، لم تعد مهمة النساء تقتصر على مجرد اختيار وصفة طعام مناسبة، بل تحولت إلى تحدٍ يومي يتمثل في ابتكار وجبة ممكنة في ظل أسعار متقلبة تتغير من بائع لآخر ومن ساعة لأخرى، مما يقلص خيارات الموائد مع كل جولة تسوق.
وتوضح "فردوس" لـ"سناك سوري" قائلة: «في النهاية، قد نضطر للاكتفاء بوجبات بسيطة كالمجدرة أو البرغل بالبندورة، إذا تمكنت من الحصول عليها بسعر أقل لدى بائع آخر. قبل بضع سنوات، كنا نخطط لوجبات الأسبوع كاملاً، أما الآن، فقد أصبح القرار يتخذ أمام البسطة مباشرة بناءً على السعر المتاح».
ووفقاً لجولة أجراها مراسلو "سناك سوري" في الأسواق، فقد وصل متوسط سعر كيلو الفول الأخضر إلى حوالي 14 ألف ليرة سورية، والبطاطا إلى 6 آلاف ليرة، بينما بلغت أسعار البندورة والخيار والباذنجان نحو 18 ألف ليرة لكل منها. أما الفليفلة فقد سجلت 20 ألف ليرة، والكوسا 15 ألفاً، في حين استقر سعر الملفوف عند حوالي 5 آلاف ليرة. وتراوح سعر ربطة البقدونس حول 1500 ليرة، والنعنع 4 آلاف، والخسة 6 آلاف ليرة سورية.
ولم تسلم الفواكه من موجة الغلاء الطاحنة، حيث بلغ سعر كيلو الموز نحو 14 ألف ليرة، وتراوح سعر التفاح بين 15 و20 ألف ليرة حسب النوع، بينما وصل البرتقال إلى حوالي 7 آلاف ليرة. هذه الأرقام، بحسب شهادات نساء، تدفعهن إلى التخلي عن أصناف كانت تعد أساسية على موائدهن، أو على الأقل تقليص كمياتها إلى الحد الأدنى.
وشهدت أسعار الحبوب بدورها قفزات لافتة خلال يوم واحد فقط، حيث ارتفع سعر كيلو الأرز من حوالي 11 ألف ليرة يوم الثلاثاء إلى 17 ألفاً صباح الأربعاء. كما قفز سعر السكر من 7 آلاف إلى 9 آلاف ليرة، والبرغل من 8 آلاف إلى 10 آلاف ليرة. هذا الارتفاع يضيق بشكل كبير هامش المناورة أمام النساء اللواتي يعتمدن على هذه المواد كبدائل أقل كلفة للبروتين الحيواني.
وفي مدينة حلب، لا تختلف الصورة كثيراً، حيث يروي "أبو محمد" (52 عاماً)، وهو موظف حكومي لم يتسلم راتبه بعد، أن أسرته دخلت شهر رمضان "بلا أي هامش للمناورة". ويضيف لـ"سناك سوري": «زوجتي موظفة، وليس لدينا أي مدخول آخر غير راتبها حالياً، وحتى الاستدانة أصبحت صعبة للغاية لأن وضع الجميع متدهور».
تعكس هذه الشهادة واقعاً مؤلماً تعيشه العديد من الأسر السورية، حيث يتشارك الرجل والمرأة عبء الضائقة المعيشية. ومع ذلك، تبقى مسؤولية اختيار "الطبخة الممكنة" في ظل محدودية الموارد ملقاة غالباً على عاتق النساء، مما يضيف ضغطاً نفسياً مضاعفاً إلى أدوارهن اليومية في إدارة شؤون المنزل، خاصة خلال شهر الصيام.
الدجاج الغائب والبحث المرهق:
في سياق متصل، تفاقمت صعوبة تأمين الدجاج في عدد من المحافظات، بما في ذلك اللاذقية وحلب، بعد إغلاق معظم محال بيع الدجاج احتجاجاً على التسعيرة الرسمية. تروي "مانيا" (46 عاماً) أنها أمضت ساعة كاملة تبحث عن محل دجاج مفتوح في حيّها بمدينة اللاذقية دون جدوى، قبل أن تعثر على محل يبيع بقايا شرحات دجاج من اليوم السابق بسعر 75 ألف ليرة للكيلوغرام، علماً أن سعرها كان 65 ألف ليرة في اليوم الذي سبقه.
وأوضح صاحب أحد محال الدجاج أن الإضراب ليس من جانب المحال التجارية، بل من المداجن نفسها. فالمربون أوقفوا البيع بعد إلزامهم ببيع الكيلو الحي بسعر 20 ألف ليرة، بينما يؤكدون أن تكاليف الإنتاج المرتفعة، خاصة أسعار العلف والمحروقات والطاقة، تدفعهم لبيعه بنحو 30 ألف ليرة لتجنب الخسارة.
بين لائحة الأسعار المتقلبة وإغلاق بعض المحال، تتزايد الضغوط اليومية على النساء المسؤولات عن تدبير الغذاء في الأسر. يجدن أنفسهن أمام خيارات محدودة تتراوح بين تقليص الوجبات، أو تغيير مكوناتها الأساسية، أو حتى اللجوء إلى الاستدانة في بعض الأحيان. ومع استمرار موجة الغلاء، تتحول مهمة "اختيار الطبخة" من عمل روتيني إلى معادلة اقتصادية واجتماعية صعبة، تتقاطع فيها الأدوار الجندرية مع الأزمة الاقتصادية العميقة التي تضرب عموم البلاد.
اقتصاد
اقتصاد
سوريا محلي
اقتصاد