تاريخ الفعاليات الثقافية الرمضانية في سوريا: من خيال الظل إلى الدراما التلفزيونية


هذا الخبر بعنوان "الفعاليات الثقافية في رمضان عبر التاريخ السوري" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١١ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لطالما اعتاد الفنانون والمبدعون السوريون، منذ بدايات الحركة الفنية في سوريا، على تقديم أعمال وفعاليات متنوعة خلال شهر رمضان المبارك. هذه الأنشطة تجمع بين المتعة الفنية والرسالة الثقافية العميقة، محوّلةً ليالي الشهر الكريم إلى فضاءات للإبداع يتلاقى فيها المسرح بالموسيقا، وتتداخل الحكاية الشعبية بالدراما، في مشهد يعكس غنى التراث الفني السوري واستمراره عبر الأجيال.
ارتبطت الفنون التمثيلية الشعبية في سوريا بليالي رمضان منذ نشأتها، حيث كان الناس يتجمعون في الساحات والمقاهي لمشاهدة العروض الحكائية والمشاهد التمثيلية التي تمزج بين الطرافة والحكمة. ومن أبرز هذه الفنون في دمشق كان فن "الكراكوزاتي"، الذي يقدم تمثيليات خيال الظل من خلال شخصيتي كاراكوز وعيواظ. كان هذا الفن أكثر تأثيراً على مشاهديه ومستمعيه من الحكواتي، لأنه، بالإضافة إلى ما يفعله الأخير، كان يعرض صوراً لشخصيات قصصه المختلفة، ويُلوّن نبرات صوته من وراء الستارة مع كل شخصية. وفي هذا السياق، يقول المؤرخ محمد كرد علي في كتابه الموسوعي "خطط الشام": "ومن ملاهيهم يقصد الدمشقيون خيال الظل، ويدعوه العوام قره كوز، وكان في أول القرن الحاضر (يقصد القرن العشرين) من أشد العوامل تأثيراً في تهذيب الأخلاق وتقويمها".
كان شغف الدمشقيين بخيال الظل بمثابة مقدمة لظهور المسرح في أواخر القرن التاسع عشر. يورد الصحفي والكاتب محمد منصور في كتابه "دمشق طقوس رمضانية" أن هذه المهنة وجدت في موسم رمضان إقبالاً خاصاً، وهو ما لاحظه الوالي العثماني مدحت باشا حين عُيّن والياً على دمشق عام 1878. وقد شجع مدحت باشا أبو خليل القباني على تقديم مسرحه الغنائي في تلك الفترة. قدم القباني عرضه المسرحي الغنائي "أنس الجليس" في مسرحه الذي أنشأه قرب سوق الخياطين بدمشق في سبعينيات القرن التاسع عشر، وكان لافتاً أنه أعاد تقديمه في الإسكندرية بمصر في أول ليلة من ليالي شهر رمضان المبارك، حسب ما نشرت جريدة الأهرام المصرية آنذاك.
شهد القرن العشرون في سوريا مزيجاً غنياً من الأنشطة الثقافية الرمضانية التي حملت هوية الموروث الشعبي العريق. كان أبرزها "الحكواتي" الذي كان يجمع الناس حوله بعد صلاة التراويح للاستماع إلى القصص الشعبية والحماسية، مثل قصة عنترة بن شداد. ومن أشهر الحكواتية في دمشق إبراهيم الجفان وعدنان سنوبر ورشيد الحلاق. إضافة إلى ذلك، كانت الأناشيد الدينية والابتهالات التي تؤديها فرق إنشادية، منها منشدو الجامع الأموي، تحيي أوقات السحر والإفطار.
بدورها، شهدت مدينة حلب عبر تاريخها حياة ثقافية نابضة تجلت في عدد من الأنشطة الفنية التي ازدهرت خاصة في الليالي الرمضانية. ومن أبرز هذه الأنشطة "الحكواتي" الذي كان يجمع الناس في المقاهي ليستمعوا إلى السير الشعبية مثل سيرة عنترة بن شداد وسيرة بني هلال، وكان محمد الحلبي من أشهر الحكواتية، وهو ما وثقه خير الدين الأسدي في كتابه "موسوعة حلب المقارنة" عند حديثه عن المقاهي وعادات أهل المدينة. كما عرفت حلب مجالس الإنشاد الديني والموشحات التي كانت تقام في الجوامع، إضافة إلى المجالس الأدبية التي يتبادل فيها العلماء والأدباء الشعر والنقاشات الثقافية. وقد رصد هذه الملامح محمد راغب الطباخ في كتابه "إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء"، إلى جانب ما أورده عبد الفتاح رواس قلعه جي في "تاريخ حلب" عن ازدهار التواشيح والقدود الحلبية بوصفها جزءاً من الهوية الموسيقية للمدينة، ما يعكس تنوع الحياة الثقافية في حلب عبر القرون وامتزاج الفن الشعبي بالمجالس الأدبية والإنشاد الديني في أجواء اجتماعية مميزة.
مع التطورات الفنية والتقنية التي طرأت على المجتمع السوري، وخاصة في دمشق وحلب، شاركت الإذاعة السورية في هذا الطقس الثقافي الرمضاني. تعود جذور الموسم الرمضاني إلى الدراما الإذاعية في خمسينيات القرن العشرين، حين كانت محطات مثل صوت القاهرة وإذاعة دمشق ومحطة الشرق الأدنى تهتم بإنتاج مسلسلات درامية خاصة بالشهر الكريم، كما ورد في كتاب "دمشق طقوس رمضانية". استقطبت إذاعة الشرق الأدنى آنذاك أهم مبدعي الدراما الشعبية، فسجل فيها كل من الكاتب حكمت محسن والمخرج تيسير السعدي مسرحيتي "يا آخذ القرد على ماله" و"نهاية سكير"، ثم سجلا مسلسلاً رمضانياً من ثلاثين حلقة بعنوان "صندوق الدنيا عجايب".
وفي عام 1960، انطلق التلفزيون السوري الذي خصص بدوره موسماً رمضانياً يقدم فيه الترفيه الفني الممزوج بالتوعية والإصلاح. يذكر متابعو بدايات التلفزيون السوري أن أول مسلسل أُنتج خصيصاً للعرض الرمضاني كان مسلسل "البخلاء" عام 1967 الذي أعده ياسر المالح عن كتاب "البخلاء" للجاحظ، ثم المسلسل الكوميدي الأشهر الذي عُرض في رمضان مطلع سبعينيات القرن الماضي وهو "صح النوم". وهكذا، أصبح رمضان هو الموسم الأهم للدراما عاماً بعد عام وصولاً إلى زمننا الحالي.
وتبقى ليالي رمضان في المدن السورية فضاءً يلتقي فيه التراث بالإبداع، حيث تتجدد الفعاليات الثقافية والفنية التي تجمع بين المتعة والمعرفة، في تقليد يعكس حيوية الثقافة السورية وامتداد حضورها في حياة المجتمع عبر الأجيال.
سوريا محلي
سياسة
صحة
سياسة