الكرد في سوريا الجديدة: من انتفاضة 12 آذار إلى شراكة الدمج مع حكومة أحمد الشرع


هذا الخبر بعنوان "من انتفاضة 12 آذار إلى اتفاق الدمج.. الكرد نحو الشراكة في سوريا الجديدة" نشر أولاً على موقع North Press وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بعد مرور أكثر من عقدين على انتفاضة 12 آذار في القامشلي، تشهد ظروف إحياء ذكراها تحولاً جذرياً مع سقوط نظام الأسد، واعتراف الدولة الجديدة بالحقوق الكردية، وتوقيع اتفاق دمج شامل مع قوات سوريا الديمقراطية.
في مثل هذا اليوم من كل عام، تعود إلى الأذهان صور شوارع القامشلي المشتعلة عام 2004، حيث تحولت مدرجات ملعب لكرة القدم إلى شرارة غضب عارم، أعقبته تظاهرات حاشدة في مدن وبلدات كردية. حينها، انتشرت قوات الأمن والجيش بكثافة لإخماد ما وُصف بـ "أحداث الشغب". كان ذلك في زمنٍ تعامل فيه نظام الأسد مع ملف الكرد كقضية أمنية مغلقة، بدلاً من الاعتراف بهم كمكون سياسي واجتماعي أصيل.
اليوم، وبعد مرور أكثر من عشرين عاماً على تلك الانتفاضة، تبدو الصورة مختلفة تماماً. فقد سقط النظام الذي أطلق النار على المتظاهرين، وحلّت مكانه حكومة انتقالية برئاسة أحمد الشرع، تتبنى خطاباً مغايراً في مقاربتها للقضية الكردية. هذا التحول يشمل الاعتراف باللغة الكردية كجزء من الهوية الوطنية، وإصدار مرسوم خاص بتجنيس مئات الآلاف ممن حُرموا من الجنسية لعقود، وصولاً إلى توقيع اتفاق دمج شامل مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد). هذا الاتفاق ينقل مناطق سيطرة قسد من حالة الحكم الذاتي إلى إطار شراكة مع مؤسسات الدولة المركزية.
تاريخياً، شكّلت انتفاضة 12 آذار 2004 نقطة انعطاف حاسمة في علاقة الكرد مع السلطة السورية. فقبل هذا التاريخ، كانت سياسات التهميش والحرمان من الجنسية ومنع التعبير عن الهوية الثقافية واللغوية تُمارس في الغالب بصمت، مع هوامش ضيقة جداً للاحتجاج. ومع انتفاضة القامشلي وما تلاها من احتجاجات امتدت إلى مدن كردية أخرى، تحوّل الاحتقان المتراكم إلى انفجار علني، كاشفاً حجم الهوة بين النظام وشريحة واسعة من مواطنيه.
على مدى الأعوام اللاحقة، ظلّ إحياء ذكرى الانتفاضة محفوفاً بالمخاطر الأمنية، واقتصر على بيانات حزبية كردية خجولة ووقفات رمزية ومحاولات لإبقاء أسماء الضحايا في الذاكرة العامة. ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، اكتسبت ذكرى 12 آذار بعداً جديداً، حيث باتت تُقدّم كإحدى الإشارات المبكرة على أن "المشكلة السورية" لا تقتصر على مطلب الإصلاح السياسي، بل تتعداه إلى سؤال عميق حول هوية الدولة وكيفية إدارتها للتنوع القومي والمناطقي.
بعد سقوط النظام السابق، احتلت القضية الكردية موقعاً مركزياً في النقاش العام، بفضل الرمزية التي راكمتها منذ انتفاضة 12 آذار، ثم من خلال الدور العسكري والسياسي لقوات سوريا الديمقراطية في الحرب على تنظيم "داعش" وإدارة مناطق واسعة في الشمال الشرقي. لم تعد ذكرى 12 آذار مجرد مناسبة احتجاجية صامتة، بل تحوّلت إلى محطة سياسية رسمية أيضاً، تشمل فعاليات ثقافية وندوات سياسية، وإشارات واضحة من المسؤولين في الحكومة الانتقالية إلى ما وصفوه بـ "الظلم التاريخي" الذي تعرض له الكرد، وضرورة تضمين معالجته في مسار العدالة الانتقالية والدستور القادم.
جاء اتفاق الدمج بين الحكومة السورية الجديدة و"قسد" ليترجم هذا التحول السياسي إلى ترتيبات عملية على الأرض. يقوم الاتفاق على وقف إطلاق النار وإعادة انتشار القوات ودمج المقاتلين والإدارات، ويعيد ربط الشمال الشرقي بالدولة المركزية، ولكن وفق معادلة مختلفة عن تلك التي سادت قبل عام 2011.
في شقه العسكري، ينص الاتفاق على دمج مقاتلي قسد ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، مع احتساب خدمتهم السابقة ومنحهم رتباً رسمية، وتشكيل وحدات جديدة ضمن الجيش السوري تتكون أساساً من المقاتلين القادمين من تلك القوات. هذا يعني عملياً الاعتراف بدورهم وبأنهم ليسوا "خصماً" للدولة، بل طرفاً فاعلاً في منظومتها الأمنية الجديدة.
أما في شقه الإداري، فيتضمن الاتفاق خطة من مراحل متدرجة لدمج مؤسسات الإدارة الذاتية في الهياكل الحكومية، مع الحفاظ على حضور قوي للنخب المحلية في إدارة المحافظات والبلدات ذات الغالبية الكردية. هذا يفتح الباب أمام نموذج إدارة محلية موسعة الصلاحيات، دون صيغة انفصال أو فيدرالية مفروضة، وإنما ضمن إطار دستوري يجري التفاوض عليه وطنياً.
في العامين الأخيرين، بات إحياء ذكرى 12 آذار يجري في ظل ظروف مغايرة تماماً. ساحات المدن التي شهدت مواجهات دامية في 2004 تستقبل اليوم فعاليات رسمية وشعبية مشتركة؛ أعلام الثورة السورية وألوان العلم الكردي ترفع جنباً إلى جنب، وخطابات رسمية تتحدث عن "شراكة في الدم والمصير"، بدلاً من لغة التخوين أو الإنكار.
بالنسبة لكثير من النخب الكردية والسورية عموماً، يغدو الربط بين انتفاضة 12 آذار واتفاق الدمج أكثر من مجرد تتابع زمني للأحداث؛ إنه انتقال من مرحلة كان فيها الاحتجاج على الهامش ومكلفاً إلى حد الدم، إلى مرحلة يصبح فيها هذا الاحتجاج نفسه جزءاً من سردية رسمية تُبنى عليها دولة جديدة. وبين التاريخين، تتشكل ذاكرة سياسية تؤكد أن ما كان يُعتبر يوماً "خروجاً على الدولة"، أصبح اليوم أحد أعمدة إعادة تأسيسها.
تحرير: عكيد مشمش
سياسة
سياسة
اقتصاد
سياسة