صدمة الطاقة العالمية: هل تكفي الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية لتهدئة الأسواق في ظل تصاعد التوترات؟


هذا الخبر بعنوان "الاحتياطي النفطي في زمن الحروب.. هل تنجح المخزونات الاستراتيجية في امتصاص صدمة الطاقة؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مع استمرار التوترات العسكرية في منطقة الخليج، وتحديداً ما يُوصف بالحرب الأمريكية الإسرائيلية -الإيرانية، وما تبعها من تعطل للملاحة في مضيق هرمز الحيوي، عادت قضية الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية لتتصدر المشهد، بوصفها إحدى أهم أدوات الطوارئ التي تمتلكها الدول الكبرى لمواجهة اضطرابات أسواق الطاقة. لقد أدى التصعيد العسكري في الخليج، والهجمات المتكررة على ناقلات النفط، وإعلان عدد من شركات الطاقة حالة "القوة القاهرة"، إلى موجة من التقلبات الحادة في الأسواق، دفعت بأسعار النفط لتقترب من 120 دولاراً للبرميل قبل أن تشهد تراجعاً نسبياً لاحقاً، وسط مخاوف متزايدة من تحول الأزمة الراهنة إلى صدمة طاقة عالمية شاملة.
في ظل هذه التطورات المتسارعة، بدأت الدول الصناعية الكبرى بدراسة جدية لخيار السحب من احتياطياتها النفطية الاستراتيجية، وذلك بهدف تهدئة الأسواق ومنع انفلات الأسعار. يأتي هذا في وقت تحذر فيه طهران من إمكانية وصول سعر النفط إلى 200 دولار للبرميل إذا ما استمرت الحرب واتسعت تداعياتها الجيوسياسية والاقتصادية.
شهدت أسواق الطاقة خلال الأيام الماضية تقلبات غير مسبوقة، كانت نتيجة مباشرة للتطورات العسكرية في منطقة الشرق الأوسط، التي يمر عبر مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط، وهو ما يمثل ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية. تزامن هذا التصعيد العسكري مع عوامل ضغط إضافية على السوق، شملت تعطل حركة مئات الناقلات داخل الخليج وخارجه، وإعلان شركات طاقة خليجية حالة القوة القاهرة إثر استهداف منشآت نفطية، بالإضافة إلى خفض الإنتاج في بعض الحقول الخليجية نتيجة لاضطراب الشحنات.
وفقاً لتقديرات محللين متخصصين في قطاع الطاقة، فقد أسفرت الحرب بالفعل عن خفض إمدادات النفط العالمية بنحو 200 مليون برميل خلال أيام قليلة، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار بنحو 40% منذ نهاية شباط/فبراير، قبل أن تعود للتراجع جزئياً.
يُعرف الاحتياطي النفطي الاستراتيجي بأنه مخزون من النفط تحتفظ به الحكومات أو تُلزم الشركات بالاحتفاظ به، وذلك لمواجهة الأزمات الكبرى، مثل الحروب أو الكوارث الطبيعية، أو الانقطاعات المفاجئة في الإمدادات. تقوم فكرة هذه المخزونات على توفير هامش أمان مؤقت يسمح للدول بتلبية احتياجاتها الأساسية من الطاقة إلى حين استقرار السوق، أو إيجاد مصادر بديلة.
تمتلك الدول الصناعية كميات ضخمة من هذه الاحتياطيات، ومن أبرزها الولايات المتحدة بنحو 415 مليون برميل، والصين بنحو 900 مليون برميل، واليابان بنحو 260 مليون برميل، وألمانيا بنحو 145 مليون برميل، وفرنسا بنحو 122 مليون برميل. في الولايات المتحدة، يُخزن النفط في كهوف ملحية ضخمة بولايتي تكساس ولويزيانا، وتبلغ السعة القصوى للمخزون نحو 714 مليون برميل. إلا أن السحب الكبير الذي جرى خلال أزمة الطاقة عام 2022 خفضه إلى أقل من 60% من طاقته القصوى.
مع تصاعد التوتر في المنطقة، عقد وزراء الطاقة والمالية في مجموعة السبع (G7) اجتماعات طارئة بالتنسيق مع وكالة الطاقة الدولية لبحث سبل مواجهة اضطرابات السوق. وقد أكدت المجموعة دعمها المبدئي لاتخاذ إجراءات استباقية، بما في ذلك استخدام الاحتياطيات الاستراتيجية إذا اقتضت الضرورة، مع إبقاء الأسواق تحت المراقبة المستمرة. كما تدرس وكالة الطاقة الدولية تنفيذ أكبر عملية سحب من المخزونات في تاريخها، قد تتجاوز 182 مليون برميل، في محاولة لخفض الأسعار وتهدئة الأسواق العالمية.
في موازاة ذلك، أعلنت ألمانيا أمس الأربعاء استعدادها لاستخدام جزء من احتياطياتها النفطية، فيما قررت اليابان البدء بالإفراج عن مخزوناتها اعتباراً من منتصف الشهر الجاري. أما الولايات المتحدة، فتبحث ترتيب مبيعات من احتياطيها النفطي بالتنسيق مع دول أخرى. يأتي هذا التحرك في ظل امتلاك الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية أكثر من 1.2 مليار برميل من المخزونات الحكومية، إضافة إلى 600 مليون برميل من المخزونات التجارية الإلزامية.
يرى خبراء الطاقة أن استخدام الاحتياطيات الاستراتيجية يمكن أن يهدئ الأسواق جزئياً، لأنه يضيف براميل إضافية إلى السوق، ويوجه إشارة سياسية بأن الدول الكبرى مستعدة للتدخل لمنع انفلات الأسعار. ويشير الخبراء إلى أن هذه المخزونات تُستخدم عادة عندما تتعرض الإمدادات لخطر مباشر، مثل إغلاق الممرات البحرية أو تضرر منشآت الإنتاج، حيث تمثل "متنفساً مؤقتاً" يسمح بامتصاص الصدمة الأولى. لكن هذا التأثير يبقى محدوداً زمنياً، فالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يملكان مجتمعين نحو 1.6 مليار برميل من الاحتياطيات، وهي كمية تكفي، وفق معدلات الاستهلاك الحالية، لنحو 25 يوماً فقط.
في موازاة الاضطرابات الاقتصادية، توضح تقارير استراتيجية أن الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، دخلت مرحلة استنزاف طويلة. ووفق تقرير صادر عن مركز الخليج للأبحاث، فإن الصراع لم يعد عسكرياً فقط، بل بات يشكل ضغطاً مباشراً على أمن الطاقة العالمي، وحرية الملاحة في الخليج. وتكمن خطورة الوضع في أن تعطيل حركة العبور في مضيق هرمز لا يتطلب إغلاقاً رسمياً، إذ يكفي رفع مستوى المخاطر والهجمات على السفن لإبطاء حركة التجارة، وزيادة تكاليف التأمين والشحن.
على الرغم من أن الإفراج عن الاحتياطيات النفطية قد يخفف الضغط عن الأسواق لفترة محدودة، إلا أن معظم الخبراء يرون أن مستقبل الأسعار سيظل مرتبطاً بمسار الحرب نفسها. فالعالم يستهلك حالياً نحو 100 مليون برميل يومياً، ما يعني أن أي تعطيل طويل الأمد لتدفقات النفط من منطقة الخليج قد يؤدي إلى أزمة طاقة عالمية تتجاوز قدرة المخزونات الاستراتيجية على التعويض. ولهذا تبدو هذه الاحتياطيات، في لحظة التوتر الحالية، أقرب إلى "سلاح الملاذ الأخير" الذي تستخدمه الدول الكبرى لكسب الوقت واحتواء الصدمة الأولى، بانتظار ما ستؤول إليه التطورات العسكرية في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية بالنسبة لأمن الطاقة العالمي.
اقتصاد
سياسة
اقتصاد
سياسة