هذا الخبر بعنوان "جوهرة المدن" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: مالك صقور
القدس! مدينةٌ تبدو أقربَ من ارتداد الطرف، لكنها أبعدُ من نجوم السماء. هكذا جاء الصوتُ حازماً حاسماً: "اسكتْ يا ولد! أقربُ من ارتداد الطرف... نعم، قل: القدسُ في القلب". رددتُ حينها: "أجل! القدس في القلب".
لم يتسنَّ لي زيارة القدس قط، وهذه حسرةٌ عميقةٌ لن تفارقني، ولن تبرح قلبي حتى أزورها، أو حتى الممات.
في أحد الأعوام، ومع بداية الصوم الكبير، قررت "الشلة" الحج إلى القدس في الفصح المجيد. كنتُ من أوائل المتحمسين، وأعددنا العدة لذلك. قضيتُ أيامي أحلم بالقدس، أتخيل كنائسها، وأتوق للصلاة في مساجدها، وأحلم بمعاينة بواباتها السبع وقناطرها، والمشي في الطرقات التي عطرها السيد المسيح.
لكن قبل السفر بيوم واحد، توفي أخي الأصغر فجأة. لم أستطع ترك أمي غارقة في حزنها، ولم أسافر معهم. تحولت الحسرة الواحدة إلى حسرتين: حسرة على أخي، وحسرة عدم الحج إلى القدس.
عاد رفاقي مبتهجين من رحلتهم، وقد وشموا على زنودهم رسم الصليب، وتحته كُتب: "القدس – 1967". كانت فرحة الزميلات والزملاء لا تضاهيها فرحة في الدنيا، فقد حجّوا إلى القدس في آخر فصح قبل الخامس من حزيران.
حدثوني عن القدس، رسموها لي بكلماتهم، والتقطوا صوراً كثيرة. رووا لي كيف صلّوا في كنيسة القيامة، ووصفوا كيف صلى آلاف الحجاج من مختلف أنحاء العالم، وكيف ابتهلوا بكل لغات الأرض. أمضوا "أسبوع الآلام" و"الجمعة الحزينة"، وشهدوا سبت النور وكيف انبثق النور من الضريح، وشهدوا قيامة المسيح. خشعت قلوبهم وارتعشوا ودهشوا. وعند خروجهم، شاهدوا كيف تضرجت القدس بتلالها ووديانها بحلة أرجوانية ملتهبة، مكسوة بشقائق النعمان، رمز دم الشهيد المُخلّص. كما توضأوا في قبة الصخرة وصلوا في المسجد الأقصى.
منذ ما يقارب ستة عقود، وما زال الزملاء والزميلات يتباهون بأن الحظ أسعفهم وحالفهم للحج إلى القدس في آخر فصح قبل أن يدنس الصهاينةُ القدس، إيقونة السماء والأرض. حمل كل منهم لي هدية رمزية من القدس، لكن في الخامس من حزيران، مات نصف القلب.
من قال إن القدس أقرب من ارتداد الطرف وأبعد من نجوم السماء؟ ومرة أخرى، دقَّ عكازه بالأرض وجاء صوته زاجراً: "اسكتْ يا ولد!" (وقد تجاوزت السبعين وما زال يقول لي يا ولد!). "اسكتْ: هذه قدس الأقداس، هذه القدس الشريف. هنا محطة إبراهيم ومحلة داؤد ومملكة سليمان والهدهد وصرح بلقيس. هنا موطن المسيح ومسرى محمد، ومن هنا عَرَجَ إلى السماء، وهنا أثر قدمه. هنا تسلّمَ الخليفةُ الثاني الفاروق مفاتيحَ القدس، وهنا وَضعَ كتاب الأمان، الميثاق بين عمر والبطريرك صفرونيوس. هنا تمتزجُ ثقافات العالم، وتتعددُ الطوائف والمذاهب واللغات والأعراف والعادات."
"سجّل يا ولد: القدس ليست مكاناً فحسب، إنها مكان وزمان، وفيها تتجسّدُ عبقريةُ المكان وعبق الزمان. سجّل: هي المدينة الأولى في العالم، مدينة الأنبياء، وفيها الأقانيم الثلاثة. وهي أور سالم، أي مدينة السلام. القدس، قدس الأقداس، عروس عروبتكم، بهية المساكن وزهرة المدائن. إنها جوهرة المدن، إيقونة السماء والأرض، وستبقى جوهرة المدن."
"سجّل يا ولد: في القدس سرٌ، سرُ الأسرار، وفي القدس لغزٌ وطلسم. وعندما ينكشفُ هذا السر، ستنفرجُ فلسطين والأردن واليمن ودمشق وبغداد، وستزغرد القاهرة وتفرح مكة وتبتهج الجزائر وتنهض تونس وستبارك عُمان."
"سجّل يا ولد، سجّل: قريباً سيتحطم الطلسم، وتتنفسُ البشريةُ الصعداءَ، ويطمئنُ ضميرُ الإنسانية ويرتاح."
بمناسبة يوم القدس العالمي. (موقع: أخبار سوريا الوطن)
ثقافة
سياسة
سياسة
ثقافة