الدراما الرمضانية وصمود الحياة: كيف تتشبث النفس البشرية بالروتين في زمن الحروب؟


هذا الخبر بعنوان "الدراما الرمضانية.. حين تتمسك الحياة بنفسها" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في ظل استمرار الصراعات في المنطقة، حيث تضرب إيران في كل مكان، وتتعرض مدن الثراء للقصف، ولبنان وسوريا تشهدان هجمات متواصلة، وتل أبيب تشتعل، وتتزايد الأوضاع الاقتصادية تأزمًا مع تهديدات أوروبية بالانخراط في الحرب، يبرز سؤال حول كيفية استمرار الحياة الطبيعية. ومع كل هذه الأحداث، لم تتأثر الدراما في موسمها الرمضاني هذا، فالناس ما زالوا يتابعون المسلسلات، يعلقون عليها، يتكهنون بسير الأحداث، ويسخرون من أداء بعض الممثلين ويبدون إعجابهم بآخرين. عاد فارس الحلو إلى الشاشة بقوة، وأصبح تيم حسن "تريند"، بينما تكرر مي عمر نفسها وتتربع على عرش المشاهدات كالعادة.
قد يبدو هذا الأمر غريبًا للبعض، كيف يمكن للناس متابعة المسلسلات والحديث عنها بينما تعيش المنطقة كل هذا التوتر؟ لكن الحقيقة أن هذه الظاهرة ليست استثناءً، بل هي الحالة الأكثر طبيعية. فقد انتبه علماء النفس إلى هذه الظاهرة منذ زمن طويل، وتحديدًا منذ سيغموند فرويد، مؤسس التحليل النفسي، الذي كتب نصًا شهيرًا حول هذه المسألة بعنوان "أفكار حول زمن الحرب والموت"، نشره خلال الحرب العالمية الأولى. يلاحظ فرويد أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش وهو يضع فكرة الموت في مركز وعيه طوال الوقت، لأن النفس البشرية تحتاج دومًا إلى نوع من النسيان العملي لفنائها. بل يذهب إلى أبعد من ذلك حين يقول إن في اللاوعي لدى كل واحد منا قناعة ما بأنه خالد، ليس بمعنى أننا نعتقد فعلًا أننا لن نموت، بل لأن النفس لا تستطيع أن تنظم حياتها اليومية على أساس حضور الموت الدائم.
لقد اختبر السوريون هذه الحقيقة خلال سنوات الحرب الطويلة، وربما لهذا تبدو هذه المفارقة أقل غرابة لمن عاش تجربة الحرب عن قرب. في هذا السياق، يجب الإشارة إلى كتاب مهم يُعد من أبرز الوثائق التي سجلت الحياة في أوقات الحصار، وهو كتاب "حمص.. الحصار العظيم" للكاتب وليد الفارس. يروي الفارس في هذا الكتاب تفاصيل الحياة في الأحياء المحاصَرة في حمص خلال 700 يوم، حيث كان الحصار خانقًا في مساحة جغرافية ضيقة، ومحاطة بعشرات الآلاف من مجرمي الأسد. ومع ذلك، يذكر الكاتب أن الحياة الطبيعية لم تتوقف، فكانت تقام حفلات الأعراس، وتُعقد مناسبات عائلية، ويعيش الناس حياتهم بكل تفاصيلها اليومية.
ما يرويه الفارس في هذا الكتاب يشبه كثيرًا ما أخبرني به بشكل شخصي طبيب الأسنان ابن طرطوس سالم أبو النصر، الذي عاش فترة حصار حلب قبل أن يخرج مع كثير من سكانها نحو تركيا بعد سقوط المدينة بيد النظام السابق. روى لنا سالم تفاصيل تبدو بسيطة لكنها شديدة الدلالة: الناس كانوا يعالجون أسنانهم ويهتمون بصحتهم ومظهرهم، بل ويقرؤون الكتب ويتابعون صدور الروايات الجديدة. كل ذلك كان يحدث في مدينة كانت توصف آنذاك بأنها الأخطر في العالم، ومع ذلك لم تختفِ فيها مظاهر الحياة اليومية، وكأن المجتمع قادر على أن يحافظ على قدر من طبيعته حتى في قلب الخطر.
تحدث فرويد عن صراع دائم في النفس البشرية بين غريزة الحياة "الإيروس" التي تدفع الإنسان إلى الحب والارتباط والاستمرار، وغريزة الموت "الثاناتوس" التي تظهر في العنف والحروب. غير أن المفارقة التي لاحظها فرويد وغيره من الباحثين هي أن اشتداد حضور الموت لا يؤدي إلى اختفاء إرادة الحياة، بل يحدث غالبًا العكس تمامًا؛ فكلما اقترب الموت أكثر، اشتدت أيضًا رغبة الإنسان في التمسك بالحياة. هل تتذكرون حديث الرسول بأنه "إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها"؟ أرى هذا المشهد تمامًا، وأعتقد أن آخر إنسان على وجه الأرض سيغرس فسيلة ما فعلًا. أعرف أن هذا خيال، لكنه مستمد من خبرتنا كسريريين يعرفون سر النفس البشرية وتمسكها بالحياة.
حتى بعد الحرب العالمية الأولى، الأكثر فتكًا، شهدت دول أوروبية كثيرة ارتفاعًا واضحًا في معدلات الولادات، وكأن المجتمعات كانت تحاول بصورة غير واعية أن تعيد تأكيد استمرارها بعد سنوات من الفناء. وفي الحرب العالمية الثانية أيضًا، وعلى الرغم من القصف الألماني العنيف الذي تعرضت له لندن، استمرت المسارح في العمل وأقيمت الحفلات الموسيقية. هل أزودكم بمثال أقرب؟ اقرؤوا "ويلات وطن" لروبرت فيسك، فقد ذكر فيه كيف كانت أمسيات بيروت تعج بالصخب والحياة، بينما سماؤها تتقاذفها الصواريخ بين الفصائل المتصارعة. في مجتمعاتنا، كانت الدراما الرمضانية واحدة من أهم وأجمل عاداتنا، يتمسك بها الناس لأنهم، سواء عن وعي أو لاوعي، بحاجة للإحساس بطبيعية الحياة وروتينها، فهذا يحفظ توازنهم النفسي، ويزيد بهجة الحياة. هذا ليس انفصالًا عن الواقع، بل تمسك به وبقوة.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة