برزة البلد في دمشق: تحديات العشوائيات بين هواجس السكان وضرورة الحلول التنظيمية الشاملة


هذا الخبر بعنوان "عشوائيات برزة البلد.. هواجس ورغبات تتجاوز الخطط التنظيمية" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تُعد منطقة برزة البلد في دمشق، وفقًا لـ غنى جبر، مثالًا حيًا للتحديات العمرانية والاجتماعية المعقدة التي تواجه الأحياء العشوائية في العاصمة السورية. شهدت المنطقة خلال السنوات الماضية تزايدًا سكانيًا ملحوظًا واكتظاظًا أفضى إلى توسع عشوائي وغير مخطط له للمنازل السكنية، مما أثر سلبًا على البنية التحتية ومستوى الخدمات الأساسية.
ويعاني الحي، بحسب شهادات السكان، من ضعف في شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي، وتدهور في حالة الطرق، وتدنٍ في مستوى النظافة العامة، فضلًا عن ظاهرة تشارك عدة عائلات في المبنى الواحد. كانت الجهات المعنية في النظام السابق قد اتخذت خطوات لإعادة تنظيم المنطقة، شملت إخلاء بعض المباني وإزالة العشوائيات بهدف توفير وحدات سكنية جديدة، إلا أن هذه الإجراءات قوبلت بانتقادات وتشكيك.
أوضح المهندس الميكانيكي وحيد سلمان، أحد سكان حي البيادر في برزة البلد منذ نحو 30 عامًا، أن المناطق العشوائية تواجه مشكلات عديدة، أبرزها عدم انتظام التغذية الكهربائية بسبب الضغط المتزايد الذي لا يتناسب مع الحمولات المتاحة، بالإضافة إلى التوسع العمراني غير المدروس وتدني مستوى النظافة العامة.
وأشار وحيد إلى أن التعويض المالي المقترح لإخلاء الحي لا يكفي لتمكين العائلات من تأمين سكن بديل. لذا، يفضل السكان خيار التنظيم في الموقع ذاته، بهدف الحفاظ على الروابط الاجتماعية ومساحات السكن التي غالبًا ما تؤوي أكثر من عائلة واحدة في المبنى. ودعا وحيد إلى تبني حلول تنظيمية شاملة تحوّل هذه المناطق العشوائية إلى أحياء حضارية مزودة ببنية تحتية متكاملة من شبكات صرف صحي وكهرباء ومياه تتناسب مع الكثافة السكانية الحالية.
أبدى محمد، وهو أحد الشبان السوريين العائدين من الاغتراب للسكن مع عائلته في برزة البلد، تأييده لفكرة التنظيم العمراني كحل جذري لتحسين الواقع السكني، شريطة أن تضمن هذه المشاريع حقوق القاطنين. وتحدث محمد عن حجم التحديات الاقتصادية والخدمية التي تواجه سكان هذه المناطق.
من جانبه، أبدى “أبو أسامة”، وهو أحد سكان حي برزة البلد وصاحب محل تجاري صغير، رفضه القاطع لأي قرار إخلاء يعتمد فقط على التعويض المالي أو الأسهم التنظيمية. ويرى أن توفير البديل السكني الجاهز هو الشرط الوحيد لمغادرة منازلهم.
تتسبب العشوائيات في برزة البلد بصعوبة تطبيق المخططات التنظيمية، وذلك جراء الكثافة السكانية العالية واختلاف حقوق وأنواع الملكيات، وفقًا للمهندسة المعمارية رهف جبر، وهي أيضًا من سكان حي برزة البلد. وقالت رهف لعنب بلدي إن سكان هذه المناطق يعانون من ضعف البنية التحتية والخدمات، إضافة إلى سوء ربط المنطقة بالطرق، ما يزيد من صعوبة الوصول وارتفاع التكاليف اليومية.
وحول الحلول، اقترحت رهف إعداد مخططات تنظيمية متكاملة تخدم السكان والمنطقة في آن واحد، مع تنفيذ سريع وتأمين سكن بديل قريب خلال فترة التنظيم لضمان سهولة الإخلاء والانتقال. وعن إمكانية إزالة الأبنية، اقترحت إعادة تنظيم المنطقة مع استصلاح الأبنية الجيدة بدل الهدم الكامل، لما يترتب عليه من تكاليف اقتصادية عالية.
أكد رئيس جمعية المعماريين السوريين، محمد عساف، أن تقييم المشاريع العمرانية الكبرى يجب أن يتم عبر لجان استشارية متخصصة في النقد المعماري، قادرة على تقييم الأعمال ووضع المعايير للوصول إلى أفضل الخيارات. وأضاف عساف، في حديث إلى عنب بلدي، أن دمشق تحتاج إلى أفكار جديدة للتعامل مع المدينة، مشيرًا إلى أن حجم المشكلات العمرانية اليوم كبير، لكنه قابل للحصر والدراسة، وأن التعامل العلمي مع هذه التعقيدات يمكن أن يقود إلى حلول أكثر دقة وفاعلية.
ويرى عساف أن الوصول إلى الحل الأمثل يتطلب التعامل مع جميع الإشكاليات ضمن معادلة واحدة، بدلًا من معالجة كل مشكلة بشكل منفصل، فهذا يؤدي إلى تقليص الحلول، بحيث يبقى عدد محدود من البدائل التي يمكن المفاضلة بينها. وتُعد منهجية “نمذجة المشكلات” في التصميم، بحسب عساف، من الأساليب العلمية الأكثر دقة، إذ قد يعتقد البعض أن إدخال جميع المشكلات في عملية التحليل سيؤدي إلى تعقيد المسألة، إلا أن تعقيد المسألة وتحليلها بشكل شامل يقود في النهاية إلى تحديد الحل الأنسب بدقة.
وأضاف أن تصميم المدن الجديدة يجب أن يأخذ بعين الاعتبار مختلف الإشكاليات المرتبطة بالمدينة، فالمسألة لا تتعلق فقط بتوفير السكن، بل ترتبط أيضًا بالبنية التحتية، والاستدامة، وتأمين الطاقة، واستخدام الموارد الطبيعية والبشرية وموارد الدولة بشكل متوازن.
فيما يتعلق بضيق المساحات في المناطق العشوائية، أكد رئيس جمعية المعماريين السوريين، محمد عساف، أن العشوائيات ليست ظاهرة محلية بل موجودة في مختلف دول العالم، إلا أن طرق التعامل معها تختلف من بلد إلى آخر. فبعض الدول تلجأ إلى الإزالة القسرية، مثل السعودية، التي عملت على إزالة مناطق عشوائية بالكامل دون تعويض الأهالي.
وشدد عساف على أن تصميم المكان يؤثر في سلوك المجتمع، موضحًا أن الحلول الحديثة يجب أن تعتمد على مفاهيم الاستدامة والاستفادة من التقنيات المتطورة، بما فيها الذكاء الاصطناعي، لتحليل البنية الاجتماعية للمناطق العشوائية وتحديد آليات إعادة تنظيمها بشكل يحافظ على الترابط الاجتماعي للسكان، مؤكدًا أن أي قرار غير مدروس قد يؤدي إلى تفاقم المشكلة بدلًا من حلها.
يمكن أن تلعب التقنيات الحديثة دورًا مهمًا في دعم التخطيط العمراني، مثل استخدام الاستبانات الإلكترونية لجمع بيانات دقيقة من السكان حول احتياجاتهم الاجتماعية والسكنية، بحسب عساف. وأضاف أن تصميم هذه الاستبانات بطريقة علمية يسهّل تحليل البيانات واستخلاص النتائج. كما لفت إلى إمكانية استخدام المسح ثلاثي الأبعاد عبر السيارات أو طائرات “الدرون”، لإنتاج نماذج رقمية دقيقة للمناطق المراد دراستها، ما يسرّع عملية إعداد المخططات العمرانية. وأوضح أن الهدف من هذه الأدوات هو مساعدة المخططين على فهم الواقع بشكل أفضل، لأن بعض الحلول قد تكون موجودة ضمنيًا لدى السكان أنفسهم، لكنهم لا يملكون الوسائل للتعبير عنها.
كشف المهندس محمد عساف أنه سبق أن طرح أمام رئاسة الجمهورية، خلال المنتدى السعودي للاستثمار، فكرة إعداد خريطة استثمارية لمدينة دمشق، تقوم على شراكة بين الدولة والمستثمرين والسكان. وأوضح أن هذه الخريطة تقوم على مبدأ العمل التشاركي، بحيث تُبنى العلاقة بين الأطراف الثلاثة بطريقة صحية ومتوازنة. وقال إن الفكرة تعتمد على دراسة تجارب مدن مشابهة في العالم، ثم تطويرها بما يتناسب مع الواقع المحلي، وإن التخطيط لا يعني اختراع نماذج جديدة بالكامل، بل الاستفادة من الخبرات العالمية وتكييفها مع الظروف المحلية.
وعن انتشار البناء العشوائي خلال السنوات الماضية، اعتبر المهندس عساف أن ذلك يمثل سلوكًا طبيعيًا ناتجًا عن حاجة الناس إلى السكن وازدياد عدد السكان. فغالبًا ما يلجأ الأفراد إلى البناء قرب عائلاتهم أو ضمن محيطهم الاجتماعي، لتقليل التكاليف. وأوضح أن العشوائيات هي في جوهرها نتيجة خاطئة لطلب مشروع، وأن الحل يكمن في تطوير تشريعات عمرانية تسمح بتمدد سكني منظم، وتمنع تحول الحاجة الطبيعية إلى مخالفات عمرانية.
وفي تقييمه للواقع العمراني في منطقة برزة البلد بدمشق، أشار إلى أن للمنطقة خصوصية اجتماعية وعمرانية، معتقدًا أن محافظة دمشق ومديرية التخطيط العمراني تمتلكان دراسات ومعلومات كافية، يمكن البناء عليها لوضع رؤية أولية للتطوير. وشدد عساف على ضرورة دراسة ارتباط برزة بمحيطها العمراني، بما في ذلك علاقتها مع الأحياء المجاورة مثل ركن الدين واتجاهات التوسع العمراني نحو التل أو الغوطة، قبل وضع أي خطة تنفيذية.
وأكد أن إعداد خطة تنفيذية واضحة بجدول زمني محدد هو الخطوة الأساسية للبدء بالتنفيذ، مشيرًا إلى أن غياب هذه الخطط يؤدي غالبًا إلى بقاء المشاريع في إطار النقاش دون تحقيق نتائج ملموسة. وختم رئيس جمعية المعماريين السوريين، محمد عساف، حديثه بأن العنصر البشري هو نقطة البداية والنهاية في أي عملية تخطيط عمراني، إذ يجب أولًا دراسة المجتمع القاطن في المنطقة وفهم تركيبته الاجتماعية قبل الشروع في أي مشروع تنظيمي. وأشار إلى أن البنية التحتية تلعب دورًا أساسيًا في تشكيل طبيعة التخطيط العمراني، كما تنعكس بشكل مباشر على الواقع الاجتماعي للسكان. لذلك يجب أن تنطلق خطط البنية التحتية من قراءة واقعية للبيئة والموارد المتاحة. ولفت إلى أن بعض المدن المدمرة أو المتضررة قد تواجه تحديات أكبر بسبب تضرر البنية التحتية، في حين تمتلك مناطق أخرى مثل برزة شبكات قائمة يمكن البناء عليها وتطويرها.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
اقتصاد