د. محمد حبش يحذر سوريا من التدخل في لبنان: دروس التاريخ وضرورة الحياد


هذا الخبر بعنوان "سوريا والحروب الجديدة – ولبنان والحياد" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مع بداية العام الجديد، يلاحظ الدكتور محمد حبش أن الرئيس ترامب يواصل تغريداته اليومية، مدعيًا أنه صانع السلام الذي يستحق جائزة نوبل، ومصرحًا بإنهائه ستة حروب في عام واحد، أو تسعة في خطاب آخر، دون أن يذكر أسماء تلك الحروب. إلا أن الواقع شهد خلال أسبوع واحد فقط إعادة إشعال العالم من جديد بفعل سياسات ترامب، حيث وجدت عشرون دولة نفسها، طوعًا أو كرهًا، منخرطة في أتون حرب مدمرة لا مصلحة لها فيها. سقطت القذائف لأول مرة منذ خمسين عامًا على مناطق واسعة شملت الخليج بأكمله، والعراق، وأذربيجان، وإيران، ولبنان، والأردن. وفي سياق متصل، أشعلت باكستان وأفغانستان حربًا مدمرة لأسباب خاصة بهما، مما دفع بالشرق الأوسط إلى أكثر أيامه دموية منذ عقود طويلة.
في خضم هذا التصعيد، نجحت الدولة السورية الجديدة في تبني سياسة "صفر مشاكل" مع جيرانها، وتمكنت حتى اللحظة من تجنب الانزلاق إلى الحرب وتداعياتها الوخيمة. هذا الموقف جعل السوريين يشعرون لأول مرة بأن الصراعات الإقليمية تتوقف عند حدود بلادهم، مما يتيح لهم التصرف كدولة آمنة وسط جنون الحرب المستعر.
لكن الكارثة الحقيقية تكمن الآن في المسألة اللبنانية، حيث أُعلن رسميًا عن انسداد أفق الحل بين الدولة اللبنانية وحزب الله. يتصرف حزب الله حاليًا بطريقة انفعالية، ويقوم بممارسات لا تخدم الوطن اللبناني بل تدمره. وقد أُعلن عن نزوح نحو نصف مليون شخص باتوا على الحدود السورية اللبنانية، هربًا من الحرب، تاركين خلفهم قراهم وبيوتهم وأحلامهم التي دمرتها الصواريخ، ليخسروا كل شيء ويكسبوا خطبًا كئيبة للسيد نعيم قاسم تتغنى بالنصر وأمجاد الانتصارات المتواصلة.
يتمحور جوهر القضية حاليًا حول الضغط الأمريكي والإسرائيلي المتزايد لإنهاء ملف حزب الله في لبنان. ويبدو أن مهندسي الحروب الجديدة يرون في سوريا مرشحًا محتملاً للعب دور محوري في نزع سلاح حزب الله. هذا المطلب لا يقتصر على الدولة اللبنانية فحسب، بل يمثل أيضًا معاناة السوريين خلال سنوات الحرب. كما أن هناك رصيدًا هائلاً من الكراهية والأحقاد المتراكمة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يكفي لحشد الدعم لعشر حروب قادمة، حيث تتوق الفصائل للانتقام من أولئك الذين استباحوا مدنًا مثل القصير وحمص وحلب والزبداني ووادي بردى، وارتكبوا فيها أبشع المجازر والمخازي.
يضاف إلى ذلك إغراء آخر يتمثل في وجود عدد من رموز النظام البائد مختبئين في معاقل حزب الله بلبنان، وهو ما يشكل دافعًا إضافيًا للعسكر للتقدم نحو الأراضي اللبنانية.
يؤكد الدكتور حبش أن أسوأ قرار يمكن أن يتخذه السوريون هو الانخراط في حرب كهذه، فالوطن منهك ولا يملك ترف المغامرات الطائشة. ويناشد الدولة السورية الحفاظ على سياسة الحياد الحربي، ووقف أي توجه لاقتحام أراضي الآخرين، مشددًا على أن لبنان تحديدًا يمثل مستنقعًا من السلام والمكر والسياسة والحرب، حيث لا يمكن لأحد التنبؤ بمصائره السوداء المحتملة. ويستذكر الكاتب دخول حافظ الأسد إلى لبنان عام 1976 بهدف وقف الحرب الأهلية، والذي جاء حينها بدعم من الرئاسات الثلاث (البرلمان والجمهورية والوزراء)، وتحرك ضمن إطار قوات الردع العربية بتأييد دولي بعد مجازر الحرب الأهلية. ومع ذلك، سرعان ما تحول هذا التدخل إلى كارثة على الجميع، حيث انقسمت بيروت بشكل مريع، وأصبح الجيش السوري عبئًا على اللبنانيين، وباتت إنجازاته في لبنان مخزية ومخجلة. استمرت الحرب الأهلية ستة عشر عامًا إضافية، وتشكّل تلقائيًا كيان شبحي فاسد راكم ثروات طائلة، ولم يجن اللبنانيون ولا السوريون من هذا التدخل سوى جحيم الكراهية.
ويصف الكاتب التدخل السوري في لبنان اليوم بأنه ضرب من الانتحار، مؤكدًا أنه مهما كان الواقع اللبناني مريرًا، فلا ينبغي لسوريا أن تتطوع لتكون الشرطي الذي يطفئ هذا الحريق. ويشير إلى أنه يجري حاليًا استدعاء عشرين ألف مقاتل إندونيسي من أجل غزة، وربما يكون نصيب لبنان من تدخل هذه الجنسيات البعيدة أكثر أملًا من أي تدخل عربي لوقف سفك الدماء وحماية الدولة والفصل بين الأعداء.
ويختتم الدكتور حبش تحذيره للسوريين بعدم الدخول إلى لبنان، مشيرًا إلى أن تقارير الأمن الوطني التي قد تصور هذا التدخل كمصلحة للأمن السوري سرعان ما تتغير، مما سيعيد إنتاج كارثتين متتاليتين: دخول جيش الأسد إلى لبنان ودخول حزب الله إلى سوريا. ويؤكد أن سوريا تتعرض لضغوط هائلة، وأن الرئيس أحمد الشرع يواجه أقصى أنواع الضغط الخارجي والداخلي واللبناني للانخراط في هذه الحرب. ومع ذلك، فإن أي قراءة محايدة ستؤكد أن الدخول في هذه الحرب سيكون أسوأ قرار يمكن أن تتخذه إدارة سورية في هذا الزمن العصيب.
سياسة
سياسة
سوريا محلي
سياسة