حماس الشعب وتساؤلات النخب: قراءة نقدية لأيام الحروب في سوريا


هذا الخبر بعنوان "طرائف حربية وثقافية نخبوية" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
نقل الكاتب خطيب بدلة، في وقت سابق، إلى قراء عنب بلدي، بعض الأجواء التي كانت سائدة خلال أيام الحروب، مثل حرب حزيران 1967 وحرب تشرين 1973. تبدو هذه الأجواء، في المناطق البعيدة عن الجبهات كمنطقتنا الشمالية، مضحكة للوهلة الأولى. كان الناس يستمعون إلى الأخبار والخطابات الرنانة عبر الراديو، فيغضبون ويتحمسون ويستنفرون، راغبين في تقديم شيء لوطنهم وشعبهم، لكنهم لم يكونوا يملكون شيئًا مفيدًا أو فعالًا، مما كان يصيبهم بالإحباط.
ما زلت أذكر كيف جاء بضعة رجال إلى بلدتي، معرة مصرين، خلال حرب حزيران، يحملون جفوت صيد ويتمنطقون بصفوف الفشك، معلنين استعدادهم للذهاب إلى الجبهة. لم يكن في البلدة آنذاك شخصيات رسمية سوى رئيس المخفر، الذي استقبلهم في قمة استغرابه من منظرهم الذي يوحي بأنهم صيادون تائهون في برية. وعندما فهم سبب مجيئهم، هز رأسه متذمرًا وطلب منهم العودة إلى قراهم. لكنهم ألحوا وطلبوا مقابلة مدير الناحية، فاحمرت عينه منهم وهددهم بمصادرة جفوت الصيد غير المرخصة، فانصرفوا.
ليس من اللائق بالنسبة إلي أن أسخر من حماس أبناء القرى الذين اندفعوا للذود عن بلادهم في عز احتدام المعارك. ولكنني، وزملائي في حرفة الصحافة والأدب، والمثقفين والفنانين، لم نكن طوال تلك السنوات المضطربة أحسن حالًا وأرقى تفكيرًا منهم. فقد مضت سنوات طويلة، بل عقود، ونحن غاضبون ومنزعجون وحزينون لأن جيشنا هُزم وجولاننا احتل، ولم نفكر قط إلا بالانتقام وإزالة آثار العدوان وخوض معارك أخرى، عسى أن نحقق نصرًا، مهما يكن صغيرًا وتافهًا، على ذلك العدو.
كان حريًا بنا أن نمسك القضية بيد قوية، ونضعها تحت المجهر، ونسلط عليها حزمًا واسعة من الأضواء، فنسأل عن الحرب: لماذا وقعت؟ وهذا العدو: من هو؟ ولماذا نعتبر هذه القضية قضيتنا الوحيدة؟ وإذا كانت بيننا وبين دولة مجاورة خلافات حدودية، لماذا نحاربها ولا نفاوضها عليها؟ ولماذا نلوم العدو الذي هزم جيشنا وأخذ أرضنا، ولا نلوم نظام الحكم الذي دخل الحرب دون أن يكون مستعدًا لها؟ ونتساءل: متى أصبح الجولان أرضنا التي يجب أن نحررها؟ إذا كان الجواب أن الجولان أصبح جزءًا من الجمهورية السورية بموجب اتفاق سايكس بيكو، فلماذا نعادي فرنسا التي وضعت الجولان ضمن خارطتنا؟ ولماذا يهاجم إعلامنا البعثي اتفاقية سايكس بيكو ويعتبرها تآمرًا على الوحدة العربية؟ عندما وضعت تلك الاتفاقية التي نعتبرها مشؤومة، من قبل فرنسا وبريطانيا، ألم تشمل لواء إسكندرون؟ فلماذا لا نحارب لاسترداد ذلك اللواء السليب؟
إنني بهذه الأسئلة لا أطالب بشيء ولا أحرض على شيء، ولكنني أزعم أن النخب الثقافية والأدبية والفنية في بلادنا، وأنا واحد منها، لم تقدم لوجدان الشعب السوري وثقافته ومعلوماته شيئًا مفيدًا. بل العكس، ساهمت في تكريس خطاب التلفيق والتعتيم والتجهيل الذي كانت تضخه السلطات التي تسلطت على هذا الشعب، وقامرت بمصيره، وأدخلته في حروب خاسرة، وطلبت منه مزيدًا من الصبر والتضحية والتحمل والإصرار على ارتكاب الحماقات نفسها والحسابات الخاسرة نفسها، وإعادة إنتاج أجيال، كل جيل منها أسوأ من سابقه، وأكثر تخلفًا وركودًا واستنقاعًا.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة