تأخر الرواتب في سوريا: أزمة اقتصادية وقانونية تعكر صفو استعدادات العيد


هذا الخبر بعنوان "الرواتب المتأخرة.. “غصة” تنغص استعدادات العيد!" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
محمد راكان مصطفى: بينما تترقب العائلات السورية تباشير حلول عيد الفطر المبارك، تحول انتظار صرف الرواتب إلى هاجس يؤرق الموظفين العاملين في الجهات العامة. وقد تلقت صحيفة الوطن شكاوى عديدة تؤكد استمرار تأخر صرف المستحقات المالية في قطاعات واسعة خلال الأشهر الأخيرة. هذا التأخير، الذي يتزامن مع ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة، يضع الأسر أمام تحديات خانقة لتأمين مستلزمات العيد الأساسية، مما يثير تساؤلات مشروعة حول أسباب هذا الخلل المتكرر في توقيت حرج لا يحتمل أي تأجيل.
في هذا السياق، أوضح الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي لصحيفة الوطن أن الرواتب والأجور تشكل المحرك الأساسي للدورة الاقتصادية في أي دولة. إلا أن تأخر صرفها قد يتحول من مجرد إجراء إداري إلى أزمة اقتصادية مركبة ذات أبعاد متعددة. ويرى أستاذ الاقتصاد أن هذا التعثر يعود في المقام الأول إلى غياب الموازنة العامة للدولة، وما يترتب على ذلك من تداعيات سلبية على مستوى السيولة الكلية.
لفت الدكتور قوشجي إلى أن عدم إقرار الموازنة العامة للدولة يعني تجريد السلطة التنفيذية من "الغطاء القانوني" اللازم للإنفاق. فالموازنة ليست مجرد أرقام تقديرية، بل هي بمثابة إجازة تشريعية تمنح الوزارات والمديريات الاعتمادات المالية الضرورية لتغطية الإنفاق الجاري، وعلى رأسه الرواتب. وفي غياب هذه الموازنة، تدخل الدولة في حالة من "الجمود المالي"، حيث لا تملك المؤسسات الحكومية سنداً قانونياً لسحب الأموال من الخزينة المركزية، مما يؤدي بالضرورة إلى تعليق مخصصات الاستهلاك الحكومي.
بعيداً عن الجوانب القانونية والإجرائية، أشار الدكتور قوشجي إلى بروز أزمة حادة في التدفقات النقدية. فالدولة قد تمتلك رصيداً دفترياً، لكنها تفتقر إلى "السيولة الجاهزة" اللازمة للصرف الفوري. وينتج هذا الشح عن تراجع الإيرادات السيادية، مثل الضرائب والرسوم الجمركية وعوائد الصادرات، مما يخلق فجوة زمنية بين استحقاق الرواتب وتوفر النقد. يضاف إلى ذلك عجز الميزان التجاري، حيث يؤدي استنزاف العملة الصعبة لتغطية الاستيراد إلى تقليص قدرة البنك المركزي على دعم الكتلة النقدية المحلية الموجهة لدفع الأجور.
ويرى الخبير المصرفي أن التأخير في صرف الرواتب قد يكون في بعض الأحيان ناتجاً عن محاولة "كبح التضخم". فالسلطات المالية تدرك أن ضخ كميات ضخمة من النقد في السوق، خاصة في توقيت يشهد نقصاً في السلع المعروضة، قد يؤدي إلى انهيار القوة الشرائية للعملة المحلية. لذلك، قد يتم التريث في الصرف كأداة غير معلنة لإدارة حجم النقد المتداول في الاقتصاد.
واختتم الدكتور قوشجي حديثه بالقول: إن تأخر الرواتب ليس مجرد مشكلة تقنية، بل هو انعكاس لخلل عميق في الهيكلية المالية للدولة. فبينما يمثل غياب الموازنة عائقاً "إجرائياً"، فإن نقص الإيرادات يمثل عائقاً "بنيوياً" أكثر خطورة. هذا التأخير يؤدي بالتبعية إلى حالة من الركود في الأسواق، حيث يتراجع الطلب الكلي نتيجة انخفاض الدخل المتاح للإنفاق، مما يدخل الاقتصاد في حلقة مفرغة من التباطؤ. وأكد أن انتظام صرف الرواتب يتطلب بيئة اقتصادية مستقرة تجمع بين التخطيط التشريعي السليم (الموازنة) وبين تنويع مصادر الدخل لضمان تدفق السيولة النقدية بشكل مستمر.
سوريا محلي
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد