ثمانية أشهر من النزوح: حكايات جدات السويداء بين مرارة الفقد ووحشة الانتظار


هذا الخبر بعنوان "ثمانية أشهر على النافذة.. حكايات جدات فقدن البيت والتفاصيل" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تسللت أشعة الشمس ببطء إلى مدخل غرفتين ضيقتين في حي النهضة بمدينة السويداء، حيث جلست السبعينية نهيلة أم جمال، محاولةً أن تسابق الزمن بإبرة وخيط. كانت ترفع رأسها بين الحين والآخر نحو النافذة، تراقب مرور أشخاص لا تعرفهم، ثم تعود إلى ماكينة الخياطة وكأنها تفاوض النهار الطويل ليمضي أسرع.
منذ ثمانية أشهر، تغير كل شيء في حياة نهيلة. البيت الذي كانت تفتح بابه للجارات كل صباح أصبح ذكرى بعيدة، والحقول التي كانت تسقيها بيديها استُبدلت بجدران مؤقتة لا تمنحها سوى ظل ثقيل من الانتظار. بعد النزوح القسري الذي أعقب هجوم قوات وزارة الدفاع وما تبعه من اشتباكات مع فصائل محلية، وما رافقها من انتهاكات وإحراق للمنازل، تعيش كبيرات السن ظروفاً مختلفة في المكان ومشاعر متشابهة يغلب عليها الملل والحزن وفقدان الاستقرار.
بين غرف مستأجرة ومراكز استضافة وبيوت مؤقتة، تحاول نساء في السبعينيات والثمانينيات إعادة ترتيب أيامهن على إيقاع جديد لا يشبه حياتهن السابقة، حيث كانت التفاصيل الصغيرة، من شرفة البيت إلى حديث الجارات، كفيلة بأن تمنح النهار معنى. تتساءل الجدة نهيلة أم جمال بحرقة: «لماذا أحكم على نفسي بهذا السجن وأترك منزلي ودجاجاتي وحقل أزرعه بيدي؟»
«اليوم الطويل»، هكذا تختصر «نهيلة» واقعها الجديد الذي فُرض عليها منذ أن حملها أولادها ليلاً للهروب من قريتها في الرابع عشر من تموز الفائت. في السابق، كانت تقصد حي النهضة في السويداء لزيارة إحدى أخواتها لساعات قليلة، أما اليوم فقد أصبحت مضطرة للإقامة فيه. تقول لـ«سناك سوري»: «كنت أزور أختي مرة أو مرتين في العام، لساعات فقط. منذ ثمانية أشهر نقيم هنا في غرفتين بلا برندا. أتنقّل بين النوافذ أراقب بعض المارة، وإذا خرجت ابنتي إلى عملها لا أجد من أتحدث معه حتى تعود». تتذكر بيتها الريفي حيث كانت الجارات حولها دائماً، وتضيف: «هل تكفي ماكينة خياطة لتشغلني ساعات وساعات، ونحن لدينا احتياجات مادية كثيرة؟»
لا يختلف حال الجدة نهيلة كثيراً عن إنصاف، 77 عاماً، التي اضطرت للإقامة في غرفة واحدة مع أحفادها وزوجة ابنها في أحد مراكز الاستضافة. تشعر إنصاف بالحرج من أحفادها إذا اضطرت لتبديل بعض ملابسها خلال النهار. تقول: «في قريتنا كنت أنام في غرفتي البسيطة، قريبة من المطبخ والحمام. هنا الحمام في كتلة أخرى، وأيامنا ثقيلة في هذه الغرفة داخل المدرسة التي آوتنا. منازلنا رغم بساطتها كانت تكفينا… ليتنا نعود».
أما الجدة عالية، 80 عاماً، من قرية المزرعة، فكانت تعيش وسط أبنائها الخمسة الذين بنوا منازلهم حولها في العقار نفسه. إذا جلست على شرفتها، مر الأحفاد يسلمون عليها، وقد يبيتون عندها أحياناً. اليوم، أصبحوا أبعد بكثير من شقتها الجديدة. تقول الجدة عالية: «هذا ليس منزلي ولا مكاني».
بعد أيام من النزوح، استأجرت عالية مع زوجها، الذي يكبرها بعامين، شقة في الطابق الثالث بمئة دولار يدفعها الأبناء. لا تنزل الدرج إلا مرة أو مرتين لشراء بعض الحاجيات، ولم تخرج ملابسها من الحقيبة حتى الآن خوفاً من انتقال جديد. تضيف: «لم أشعر يوماً بهذه المشاعر الغريبة. أمضينا خمسة أيام تحت القصف، وبعد اقتحام المنزل ونجاتنا صار أي صوت في الخارج يقلقني طوال الليل. هذا ليس منزلي ولا مكاني».
ثمانية أشهر مختلفة أيضاً عاشتها أناهيد، 67 عاماً، متنقلة بين منزلي ابنتيها، إذ لا قدرة لديها على استئجار بيت، بينما منزلها المحروق في قرية المجدل لم يعد صالحاً للسكن. تضيف لـ«سناك سوري»: «لم أترك العمل يوماً، كان لدي دكان بسيط أبيع فيه الألبان والأجبان التي أعدّها بنفسي، وكان ذلك يكفي لملء وقتي. اليوم أشعر بالحرج لأنني أصبحت ثقيلة على حياة بناتي وأزواجهن وأولادهن، لا أجد ما يشغلني، الجميع يخرج إلى العمل إلا أنا. أتنقل من نافذة إلى أخرى، حتى مفاصلي التي كانت قوية بدأت تضعف من الضجر والكسل».
وعندما تشتاق أناهيد لجاراتها، تزور بعضهن في أحد مراكز الاستضافة، لتجد همها صغيراً مقارنة بهمومهن والضجة التي تدفعها إلى اختصار الزيارة، فهناك احتياجات كثيرة يحتاجها المسن لا يمكن تلبيتها بسهولة، مثل الأسرة المناسبة أو الحمام الداخلي.
لقد تغيرت تفاصيل حياة المسنات النازحات، سواء عشن مع أسرهن أو بعيداً عنها، منذ تموز؛ من شكل المنزل إلى أصغر تفاصيل اليوم، ومن الإحساس بالأمان إلى القلق الدائم والوحدة. وبين انتظار العودة إلى الريف الذي اتسعت فيه أحلامهن وأوجاعهن، يتسع أيضاً فقر انتقل معهن، ليضاف إلى وجع الفقد والرحيل.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي