مصر في قلب الدبلوماسية الإقليمية: مساعٍ حثيثة لاحتواء تصعيد الحرب وتداعياتها


هذا الخبر بعنوان "مصر تتحرّك إقليمياً… لاحتواء تداعيات الحرب" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مع دخول الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، أسبوعها الثالث في مرحلة تصعيد بالغة الخطورة منذ اندلاعها في 28 شباط/فبراير الماضي، تتكثف الجهود الدبلوماسية الرامية إلى تجنب اتساع رقعة الصراع وتفاقم كلفته البشرية والاقتصادية. في هذا السياق، تضطلع مصر بدور محوري ونشط، مدفوعة برغبة قوى وجهات إقليمية ودولية في إنهاء هذه الحرب. وتؤكد القاهرة رفضها القاطع للانتهاكات الإيرانية والإسرائيلية ضد الدول العربية، لكنها في الوقت ذاته تحافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف الفاعلة. ويبرز ذلك جلياً في الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يوم الجمعة، على الرغم من إدراك طهران لغضب القاهرة من الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج.
وبحسب دبلوماسيين ومحللين تحدثت إليهم صحيفة "النهار"، فإن هذا الوضع يجعل القاهرة مرشحة لدور محوري في تقديم الأفكار وتنسيق الجهود الرامية إلى خفض التصعيد وتجنب اتساع دائرة الحرب. وفي إطار هذه المساعي، أجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي جولة إقليمية شملت الدوحة وأبوظبي ومسقط وعمان والرياض. تركزت محادثاته على تأكيد دعم مصر لأشقائها العرب، فضلاً عن بحث سبل خفض التصعيد العسكري في المنطقة. وجاءت هذه الجولة في أعقاب سلسلة من الاتصالات الهاتفية التي أجراها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الأيام الماضية، مع عدد من القادة العرب، منهم رئيس الإمارات العربية المتحدة الشيخ محمد بن زايد، وأمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، ورئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وأمير الكويت الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، وعاهل البحرين الملك حمد بن عيسى آل خليفة.
ويولي الملف اللبناني اهتماماً خاصاً من جانب القاهرة، لا سيما في ظل التصعيد المتواصل في الجنوب اللبناني والتوغلات الإسرائيلية. وتأتي هذه التطورات وسط تأكيدات بأن قرار الانخراط في المواجهة لم يكن قراراً لبنانياً رسمياً، بل جاء ضمن سياق حسابات إقليمية مرتبطة بـ"حزب الله". وفي هذا الصدد، أجرى الوزير عبد العاطي اتصالين هاتفيين يوم الجمعة، مع رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام ووزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، حيث تركز جزء كبير من النقاشات على ضرورة وقف الانتهاكات والتوغلات الإسرائيلية في الأراضي اللبنانية.
وفي تحليلها، ترى المحللة السياسية إيرينا تسوكرمان أن الأهمية الخاصة للمساعي المصرية تنبع من قدرة القاهرة على التواصل مع واشنطن وباريس والدوحة والرياض وبيروت في آن واحد، دون أن يُنظر إليها كطرف يسعى لتحقيق مصالح ضيقة. وتوضح تسوكرمان لـ"النهار" أن "القاهرة تستمد مصداقيتها من وضع الدولة أولاً، لا من الاصطفاف مع فصيل بعينه. فالدبلوماسية المصرية تركز على استقرار الدولة، وفاعلية المؤسسات، ومنع هيمنة الميليشيات. وهذه المقاربة تلقى صدى لدى مسؤولين لبنانيين لا يزالون يؤمنون بإمكانية إنقاذ البلاد من التفكك". وتضيف أن الاتصالات المصرية مع الأطراف الأميركية والفرنسية واللبنانية والخليجية "تشير إلى محاولة لتنسيق الضغوط بدلاً من ترك الجهود الدبلوماسية تتوزع في مسارات متفرقة".
من جهته، يوضح المحلل السياسي فادي عاكوم أن "في ظل الظروف التي مرت بها المنطقة، بقيت دول محدودة قادرة على التحدث مع جميع الأطراف، ومن بينها مصر، نظراً لسياساتها التي تتجنب الاستفزاز وتميل إلى الحلول الوسط". ويشير إلى أن القاهرة، خلال الأزمات الإقليمية السابقة، بما في ذلك الخلافات الخليجية-الإيرانية، عملت على تقريب وجهات النظر ودعمت سيادة الدولة في حالات الانقسام الداخلي. وفيما يخص الملف اللبناني، يرى عاكوم أن "القاهرة تؤدي دوراً مهماً، خاصة مع الحديث عن احتمال بدء مسارات تفاوضية بين بيروت وتل أبيب". ويلفت إلى أن مصر، على الرغم من تاريخها في المواجهة مع إسرائيل، نجحت في إرساء سلام مستقر معها منذ عام 1979. ومع ذلك، يبرز عاكوم أن العقبة الأبرز تكمن في تباين أهداف الأطراف المعنية؛ فإسرائيل تضع أولوية لتفكيك الجناح العسكري لـ"حزب الله"، بينما تركز الولايات المتحدة على ملف الحرس الثوري الإيراني. ويختتم بأن التوصل إلى تسوية فورية "يظل أمراً معقداً"، لكن "أي تقدم داخلي لبناني نحو حصر السلاح بيد الدولة قد يفتح الباب أمام مسار أكثر استقراراً".
وتعتقد تسوكرمان أن تشتت الجهود الدبلوماسية في الفترة الماضية أسهم في إضعاف الضغط المنسق على "حزب الله". وتشير إلى أن بعض الأطراف ركز على المساعدات الإنسانية، بينما ركز آخرون على وقف إطلاق النار أو العقوبات، مما أدى، في رأيها، إلى غياب مقاربة موحدة لاستعادة السيادة اللبنانية الكاملة. وتلفت إلى أن التحرك المصري الراهن يسعى لتصحيح هذا المسار من خلال الدفع برسائل منسقة ترتكز على: السيادة اللبنانية، وحصرية السلاح بيد الدولة، والإصلاحات الاقتصادية، والتدرج في أي مسارات سياسية مستقبلية. وترى أن تعزيز التنسيق قد يقلل من هامش المناورة المتاح للأطراف المسلحة، عبر تقليص التباين بين الأجندات الدولية المتنافسة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة