حرية التعبير في سوريا ما بعد النظام: كسر حاجز الخوف وتحديات الفضاء العام الجديد


هذا الخبر بعنوان "الحرية التي حلم بها السوريون.. هل نالوها؟" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهدت سوريا، بعد سقوط النظام السابق، تحولاً جذرياً في علاقة السوريين بالكلام. فبعد عقود من الصمت والخوف، أصبحت الكلمات التي كانت تُبتلع تُقال اليوم بصوت عالٍ. يروي "ضحايا جدد" قصصهم، وينتقد المواطنون المسؤولين علناً، ويكتب الناشطون آراءهم دون التردد القديم الذي كان يسبق كل جملة، بغض النظر عن النتيجة. هذا التحول، على أهميته، لا يعني بالضرورة أن البلاد قد دخلت مرحلة حرية التعبير الحقيقية، فما زالت سوريا تبحث عن الشكل الذي يمكن أن تتحول فيه حرية التعبير من مجرد قدرة على الكلام إلى حق فعلي قادر على التأثير، وذلك بين كسر حاجز الخوف واتساع مساحة الكلام.
الشارع يتكلم وتحديات جديدة تظهر
خلال الأشهر الماضية، شهدت عدة مدن في "سوريا الجديدة" مظاهرات ووقفات احتجاجية، بعضها رفع مطالب معيشية أو خدمية، وبعضها الآخر انتقد قرارات رسمية. مرت هذه الاحتجاجات في كثير من الأحيان دون تدخل أمني مباشر لقمعها، وهو مشهد كان يصعب تخيله قبل سنوات قليلة، حين كانت أي محاولة للاحتجاج تستدعي القبضة الأمنية فوراً. بالمقابل، جاء القمع من "بلطجية" يصفون أنفسهم بأنهم موالون للسلطة، ويعتقد كثر منهم أن حرية التعبير مصانة فقط لمن "خرج بالثورة" وليس لمن عاش داخل مناطق سيطرة النظام. وقد تكرر هذا المشهد حين خرج إلى العلن عدد متزايد من الضحايا والناجين الذين بدأوا يروون قصصهم علناً، في مشهد لم يكن يجرؤ عليه أحد بزمن النظام السابق. مرة أخرى، لم تتدخل السلطة لقمعهم، بل اعترفت بحقهم في حرية التعبير، لكن "البلطجية" من مناصريها كان لهم رأي آخر بقمع أصوات الضحايا والتحريض ضدهم. السلطة التي لم تتدخل لقمع حرية التعبير عند الضحايا لم تتدخل كذلك لمنع المسيئين من مناصريها من التضييق على حرية البعض بالحزن والتعبير. إذاً، هذا التحول لا يعني بالضرورة أن سوريا دخلت مرحلة حرية التعبير الحقيقية، لكنه يشير بوضوح إلى أن حاجز الخوف الذي حكم الحياة العامة لعقود قد انكسر إلى حد كبير.
الفضاء العام: اتساع الكلام و"الغوغائية"
مع اتساع مساحة الكلام، ظهرت أيضاً ظواهر جديدة في الفضاء العام، أبرزها انتشار خطاب الكراهية والشتائم الطائفية في بعض النقاشات، خصوصاً على وسائل التواصل الاجتماعي. وبينما يرى البعض في ذلك انعكاساً طبيعياً لسنوات طويلة من القمع والانفجار المفاجئ للكلام، يخشى آخرون من تحول هذه المساحة إلى فوضى خطابية يتساوى فيها الرأي مع التحريض، والمعلومة مع التضليل. حرية التعبير لا تقتصر على القدرة على الكلام فقط، بل تتضمن أيضاً إمكانية التأثير، والحماية القانونية، وقابلية الرأي للتحول إلى قوة اجتماعية. ومن هذا المنظور، تبدو حرية التعبير الراهنة في سوريا أقرب إلى حرية متاحة تقنياً لكنها ما تزال غير مكتملة وظيفياً.
أدوات ردع جديدة
غياب الاعتقال لا يعني بالضرورة غياب الضغوط، بل قد يشير أحياناً إلى تغير أدواتها. فعلى منصات التواصل، خصوصاً فيسبوك، يلاحظ انتشار واسع لحسابات مؤيدة لجهات سياسية مختلفة، سواء من المؤيدين للسلطة أو من المجموعات المعارضة لها. هذه الحسابات ليست بالضرورة جميعها منظمة أو تابعة لجهة واحدة، لكنها تؤدي وظيفة متشابهة تقوم على الردع النفسي والاجتماعي، عبر حملات التخوين أو التحريض أو الوصم بحق كل من تجرأ على "التعبير". فالخوف هنا لم يعد مرتبطاً بالاعتقال كما في السابق، بقدر ما أصبح مرتبطاً بالضغط الاجتماعي أو حملات التشهير التي قد تطال أي شخص يعبر عن رأي مخالف، والأخطر الخوف من حملات التحريض التي يمكن أن تؤدي أحياناً إلى "القتل".
الحريات الشخصية على المحك
لا يقتصر النقاش حول حدود الحرية في سوريا الجديدة على التعبير السياسي فقط، بل يمتد أيضاً إلى تفاصيل الحياة اليومية. فمنذ أيام، تم توقيف سيدة في سلمية بتهمة "الجهر بالإفطار" في شهر رمضان، قبل أن يتم الإفراج عنها لاحقاً. كما سبقت ذلك قرارات بإغلاق بعض المطاعم بسبب تقديمها المشروبات الكحولية خلال الشهر نفسه في اللاذقية. هذه الحوادث تعيد طرح سؤال: ما الذي تعنيه الحرية فعلياً في سوريا بعد سقوط النظام؟ وهل تتعلق فقط بحرية التعبير عن الرأي السياسي، أم تشمل أيضاً الحريات الشخصية وأنماط العيش المختلفة التي كفلها الإعلان الدستوري بالمناسبة؟ بالنسبة للبعض، تبدو هذه الإجراءات مؤشراً على محاولات فرض ضوابط اجتماعية أو دينية على المجال العام، بينما يرى آخرون أنها تدخل ضمن احترام خصوصية المجتمع وتقاليده. لكن ما تكشفه هذه الوقائع حقاً هو أن المجتمع السوري ما يزال يختبر حدوده الجديدة بين الحرية الفردية والقيود الاجتماعية، في مرحلة تبدو فيها قواعد الفضاء العام قيد التشكل.
مرحلة انتقالية نحو حرية حقيقية
بين هذا الانفجار في الكلام وهذه الفوضى الخطابية، يجد السوريون أنفسهم في مرحلة انتقالية معقدة. فحرية التعبير لا تعني فقط غياب القيد، بل وجود بنية تحميها قوانين واضحة، ومؤسسات قادرة على ضمانها، وفضاء عام منظم يسمح بالنقاش دون أن يتحول إلى ساحة صراع أو تخوين. دون ذلك، غالباً سيظل الصوت السوري حاضراً أكثر من أي وقت مضى، لكنه سيبقى صوتاً يبحث عن صدى. رغم هذا، تبرز بارقة أمل، فالتغيير الأهم هو أن المواطن السوري اليوم لم يعد يشبه نفسه بالأمس. فمع سقوط الأسد، لم تسقط سلطة الخوف فقط، بل سقط كذلك ذلك الحاجز غير المرئي الذي كان يمنع السوريين من الكلام، والكلام، مهما بدا فوضوياً أو متناقضاً، يبقى الخطوة الأولى نحو حرية حقيقية لم تتشكل بعد.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة