غياب النساء عن موائد رمضان الرسمية: مرآة لفجوة التمثيل في الفضاء العام السوري


هذا الخبر بعنوان "موائد رمضان الرسمية: طاولات عامرة بالرجال وصيام قسري عن تمثيل النساء" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في شهر رمضان المبارك، الذي يُفترض أن تتسع موائده لجميع أفراد المجتمع، غصّت الصفحات الرسمية بصور إفطارات جماعية قُدمت كدليل على التقارب والتآلف. إلا أن نظرة متأنية لهذه الصور تكشف ملاحظة بسيطة لكنها ذات دلالة عميقة: طاولات يسيطر عليها حضور الرجال، بينما تظهر النساء بأعداد محدودة للغاية أو يغبن كلياً عن الإطار. هذا ما رصدته سناك سوري من دمشق.
إن هذه المسألة لا تتعلق بمجرد بروتوكول إفطار أو تفصيل هامشي في التغطية الإعلامية، بل هي مؤشر على طبيعة المشاركة في الفضاء العام. فتكرار هذا المشهد في مناسبات رسمية متعددة يحوّل الغياب إلى دلالة واضحة، لتصبح "موائد رمضان" بمثابة مرآة صامتة تعكس ميزان تمثيل لم يشهد تغيراً جوهرياً.
تجلّى هذا النمط بوضوح في مأدبة الإفطار الدبلوماسية التي أقامها وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني في دمشق لأعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدين لدى سوريا. فقد كشفت الصور عن حضور نسائي محدود للغاية، لم يتجاوز أربع سيدات. وعلى الرغم من الطابع الدولي لهذه المناسبة، الذي كان يفترض أن يعكس تنوعاً أوسع في التمثيل، بدا حضور النساء أقرب إلى كونه بروتوكولياً محضاً منه إلى مشاركة متوازنة، مما يسلط الضوء مجدداً على ضعف تمثيل النساء في السلك الدبلوماسي والمناصب المرتبطة به.
وفي سياق متصل، أظهر إفطار وزارة الثقافة الذي أُقيم في دار الأوبرا بدمشق حضوراً عددياً كبيراً للنساء في الصور. ومع ذلك، لوحظ وجود فصل واضح بين النساء والرجال في معظم الطاولات المصورة، كما أن الصورة الملتقطة على المسرح اقتصرت على الرجال فقط. هذا يشير إلى أن مجرد الظهور العددي قد لا يكون كافياً لإثبات الحضور الفعلي، إذ يظل شكل هذا الحضور وشروطه جزءاً لا يتجزأ من معادلة التمثيل غير المتكافئ في الفضاء العام.
أما في جامعة اللاذقية، فقد أُقيمت مأدبة إفطار ضمن برنامج "الموائد الشبابية" بالتعاون مع منظمة IHH، بحضور إداريين وأكاديميين وطلبة. الصور المنشورة من هذا الحدث أظهرت أيضاً فصلاً جلياً بين النساء والرجال، مما يجعل مفهوم "تعزيز المشاركة المجتمعية" يبدو وكأنه يطبق ضمن مسارين متوازيين لا يلتقيان. يثير هذا النمط من التنظيم تساؤلات حول طبيعة المشاركة المطلوبة من النساء: هل هي مشاركة فعلية في المجال العام، أم مشاركة مقيدة بإطار اجتماعي محدد؟
وفي مثال آخر على الغياب التام، خلت الصور المتداولة من مأدبة إفطار أُقيمت في المعهد العالي لإدارة الأعمال بدمشق، بحضور عميد المعهد وطلبة ومدرسين، من أي ظهور نسائي. كان جميع الطلاب الظاهرين في الصور من الذكور، على الرغم من أن بحثاً بسيطاً عن المعهد يكشف عن وجود عشرات الطالبات الإناث، مما يطرح تساؤلاً حول سبب غيابهن عن هذه المشاركة.
تكرر هذا المشهد في موائد المحافظين وصناع القرار؛ ففي مأدبة إفطار أقامها محافظ دمشق لمعاونيه ومديري المديريات في المحافظة، أظهرت الصور حضوراً ذكورياً كاملاً. يعكس هذا استمرار الفجوة في وصول النساء إلى مواقع الإدارة المحلية وصناعة القرار التنفيذي. وبالمثل، خلت الصور المنشورة من مأدبة نظمتها غرفة سياحة دمشق، بحضور وزير السياحة ونخبة من الوزراء وأصحاب المنشآت السياحية والمرشدين السياحيين، من أي حضور نسائي ظاهر، على الرغم من أن قطاع السياحة يُعد من القطاعات التي تعمل فيها النساء بكثافة.
في الختام، تتجلى المفارقة بشكل أكثر حدة في شهر يُفترض أن يرسخ قيم المشاركة والتكافل. فالمرأة، التي تُعد الأكثر انشغالاً خلال رمضان بين عملها خارج المنزل، وإدارة شؤون البيت، وتحضير موائد الإفطار اليومية، تظهر في الصور الرسمية بأقل حضور على الطاولات التي تُقام باسم المجتمع الذي تخدمه وترعاه. لا يمكن تفسير هذا الغياب على أنه مجرد صدفة أو تفصيل تنظيمي، بل هو امتداد لنمط أوسع تُستدعى فيه النساء لتحمل العبء اليومي غير المرئي، بينما يظل التمثيل الرمزي والفعلي في الفضاء العام محكوماً بمعايير مختلفة. وبين الموائد التي تُطهى في البيوت وتلك التي تُلتَقَط عندها الصور، تتسع فجوة صامتة تكشف الكثير عن الفاعلين الحقيقيين ومن يظهرون للعيان.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة