مسابقة تلحين النشيد الوطني السوري تثير جدلاً واسعاً: انتقادات لغوية وقانونية ومخاوف دستورية


هذا الخبر بعنوان "مسابقة تلحين النشيد الوطني تثير الجدل.. انتقادات لغوية وقانونية" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بعد عقود من اعتماد نشيد “حماة الديار” الذي ألفه الشاعر السوري خليل مردم بك في ثلاثينيات القرن الماضي، عاد الجدل حول النشيد الوطني في سوريا إلى الواجهة. جاء ذلك مع إعلان وزارة الثقافة عن إطلاق مسابقة لتلحين نشيد جديد للبلاد. تزايدت رغبة السوريين في استبدال نشيد “حماة الديار” بعدما ارتبط في الذاكرة الجمعية بدور الجيش خلال سنوات الحرب، حيث تحول من مؤسسة يُفترض بها حماية المواطنين إلى أداة لقتلهم، خاصة مع اندلاع الثورة السورية وما صاحبها من خسائر بشرية واسعة ودمار في البنية التحتية. يرى الأدباء والشعراء في هذه المرحلة الحساسة فرصة لدخول التاريخ، والمساهمة في رسم ملامح البلاد للسنوات المقبلة.
في المقابل، دار جدل واسع حول ثلاثة محاور رئيسة. المحور الأول يتعلق بالنصوص الشعرية المختارة، حيث تباينت الآراء بين مؤيد ومعارض. أما المحور الثاني، فيتمحور حول مشاركة وزير الثقافة، محمد ياسين صالح، ومدير مديريات الثقافة، الشاعر أنس الدغيم، في المسابقة. ويتعلق المحور الثالث بدستورية وقانونية اختيار النشيد الوطني في ظل مجلس شعب معلق لم يعقد جلسته الأولى بعد، خاصة وأن المادة الخامسة من الإعلان الدستوري السوري الصادر في 13 من آذار 2025، تنص على أن “شعار الدولة ونشيدها الوطني يحددان بقانون”.
بالتزامن مع ذكرى “التحرير” في سوريا، وتحديدًا في 8 من كانون الأول 2025، أطلقت وزارة الثقافة مسابقة لكتابة النشيد الوطني وتلحينه. حددت الوزارة شروطًا دقيقة للنصوص الشعرية الراغبة في المشاركة، شملت الفصاحة والجزالة من خلال نص شعري رفيع المستوى، والرمزية والهوية التي تعكس الانتماء، وأن يتضمن النص معاني وقيم الكرامة والنصر والشهداء والوحدة الوطنية. كما اشترطت المسابقة الوزن والإيقاع، بحيث يكون النص قابلًا للغناء الجماعي بإيقاع سلس ومنضبط، إضافة إلى الوضوح والجماهيرية ليجمع النص بين العمق الأدبي وسهولة الحفظ والترديد.
أما بخصوص اللحن، فقد اشترطت الوزارة توفر عنصر الأصالة، وأن تكون الأنغام مبنية على المقامات الشرقية السورية مثل “نهاوند” و”حجاز” و”راست”. كما طالبت بتحقيق القوة التعبيرية التي تبعث مشاعر “العزة والفخر الوطني”، وأن تتوفر فيه القابلية للأداء الجماعي، ويصلح للغناء عبر كورال وطني، ويواكب روح الأناشيد الوطنية الكبرى عالميًا. حددت الوزارة نهاية كانون الأول كآخر موعد لتسليم النصوص، وهو ما اعتبره الشعراء الراغبون في التقدم مهلة غير كافية. دفع الاعتراض الواسع على المهلة الوزارة إلى تمديدها في 10 من كانون الأول 2025، حتى 10 من كانون الثاني الماضي، كما حذفت الشرط المتعلق بالمقامات الموسيقية.
عادت القضية إلى الواجهة مجددًا بعد أن أطلقت وزارة الثقافة، في 16 من آذار الحالي، مسابقة تلحين سبعة نصوص كشفت عن قبولها. تعود هذه النصوص للشعراء: محمد أسعد طالب، وتميم اليونس، ومحمد المحمد جاسم، وكرمة عدنان مصطفى، وابراهيم سليم الحريري، وأيمن جبلي، إضافة إلى نص مشترك للدغيم وصالح.
تحت عنوان “النشيد للسوريين”، اعتبر الإعلامي والشاعر أيمن الجبلي، وهو أحد الناجحين في مسابقة اختيار نص النشيد الوطني، أن المشاركة في المسابقة “شرف يطمح إليه كل سوري حر”، وخطوة مهمة نحو تمكين الوحدة الوطنية والتعبير عن روح الشعب السوري. وقال الجبلي، في حديث إلى عنب بلدي، إن النشيد الوطني هو رمز للشعب والوطن، و”يجب أن يعبر عن تطلعاتنا وأحلامنا كسوريين”.
أكد الجبلي، من خلال مشاركته في هذه المسابقة، التزامه بتعزيز الهوية الوطنية السورية والمساهمة في بناء سوريا التي “تحمل روح الوحدة والتضامن بين المواطنين” وفق تعبيره.
وعن أهمية المشاركة في هذه المسابقة، فإنها تتجلى في أربع نقاط، وفق ما يراه الجبلي، وهي: تعزيز الانتماء الوطني والوحدة السورية، التعبير عن تطلعات الشعب السوري، المساهمة في بناء مستقبل سوريا، وتعزيز الهوية الوطنية السورية.
ويعتقد الجبلي أن النشيد ليس لكاتبه أو لملحنه، بل هو للسوريين من دون استثناء، ومن هنا يأخذ “جلاله وجماله”، راجيًا أن ينال “هذا الشرف” وأن تكون قصيدته هي النشيد الفائز.
بعد إعلان مسابقة التلحين، تداول السوريون النصوص المختارة، وتراوحت آراؤهم بين الإشادة ببعضها والانتقاد لجزئيات منها، خاصة من حيث اللغة والتركيب والمواضيع.
انتقد الأكاديمي والشاعر، الدكتور محمد زكريا الحمد، النصوص السبعة المرشحة للنشيد الوطني السوري الجديد، مؤكدًا أنها تفتقر إلى الإيقاع البلاغي القوي، والصور الشعرية المؤثرة، والعمق الرمزي الذي يليق برمز سيادي يجمع السوريين. وأضاف في حديثه إلى عنب بلدي أن معظمها يعتمد على لغة تقليدية مباشرة، خالية من الإيحاءات البلاغية العميقة، والتكرار الإيقاعي المناسب للإنشاد الجماعي، والتوازن بين الجمال اللفظي والمعنى الوطني الجامع، مشيرًا إلى وجود أخطاء أو هنات في العروض واللغة أحيانًا.
على جانب آخر، أشار الحمد إلى تضارب المصالح في مشاركة نص من تأليف الوزير نفسه، معتبرًا أن ذلك يثير تساؤلات حول الشفافية والحياد. واعتبر الحمد أن النشيد الوطني يحتاج إلى إجماع شعبي وفني أعمق، لا قرارًا إداريًا سريعًا.
في رأي قانوني، علق الخبير القانوني والمتخصص في مجال حقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي، المعتصم الكيلاني، على إطلاق مسابقة تلحين النشيد الوطني السوري بقوله إن الفقه الدستوري يقضي بأن كل سلطة عامة تمارس صلاحياتها ضمن الحدود التي يرسمها الدستور والقانون، وهو ما يعرف بمبدأ الشرعية الدستورية.
ويعني ذلك، بحسب الكيلاني، أن السلطة التنفيذية لا تملك إنشاء أو تعديل قواعد قانونية ذات طبيعة سيادية إلا إذا فوضها القانون بذلك، معتبرًا أن اللجان الفنية أو العلمية هي هيئات استشارية لا تمتلك صلاحية اتخاذ قرارات سيادية أو تشريعية. وتجدر الإشارة إلى أن المادة الخامسة من الإعلان الدستوري السوري الصادر في 13 من آذار 2025، تنص على أن “شعار الدولة ونشيدها الوطني يحددان بقانون”.
وأوضح الخبير القانوني أن الإجراءات المعلنة، من حيث المبدأ، لا تشكل بحد ذاتها مخالفة دستورية طالما بقيت في إطار المبادرات الثقافية غير الملزمة قانونًا. لكن المخالفة الدستورية تظهر إذا كان الهدف من الإجراءات المعلنة تمهيد اعتماد نشيد وطني جديد بقرار إداري أو حكومي دون صدور قانون ينظم ذلك.
واعتبر الكيلاني أنه في هذه الحالة تكون السلطة التنفيذية قد تجاوزت حدود اختصاصها الدستوري، وتدخلت في مجال محفوظ حصرًا للسلطة التشريعية. ويرى أن الإجراء الأنسب قانونيًا هو دعوى إلغاء قرار إداري لمخالفته الدستور والقانون وذلك أمام القضاء الإداري، إذ إن أي مسعى لاعتماد نشيد وطني جديد خارج الإطار التشريعي المحدد دستوريًا يعد إجراء يفتقر إلى السند القانوني اللازم، بحسب الكيلاني.
في سياق متصل، يرى الحمد أن النصوص المختارة لا ترقى، في غالبها، إلى مستوى قصيدة “في سبيل المجد” للشاعر عمر أبو ريشة، التي تجمع بين الجزالة والإيقاع والعاطفة الثورية، وفق تعبيره. واقترح الحمد الإبقاء على “في سبيل المجد” مرحليًا، مع فتح مسابقة أوسع وأكثر احترافية.
كتب الشاعر عمر أبو ريشة (1910-1990) نشيد “في سبيل المجد”، ولحّنه الأخوان اللبنانيان أحمد ومحمد فليفل. واعتمد السوريون، مناصرو الثورة، على نشيد “في سبيل المجد” بعد انطلاقة الثورة السورية وسيطرتهم على كثير من المناطق، وكانوا يرددونه خلال الاجتماعات واللقاءات الرسمية كنشيد بديل لـ”حماة الديار”.
عُزف النشيد السوري “في سبيل المجد” للمرة الأولى بعد سقوط النظام خلال مباراة ودية بكرة القدم بين المنتخب السوري والمنتخب اليمني في 15 من كانون الثاني 2025. ونشر الاتحاد السوري لكرة القدم عبر حسابه في “إنستجرام” حينها، “عُزف النشيد الوطني للجمهورية العربية السورية في مباراة منتخبنا الوطني تحت 20 عامًا بمواجهة المنتخب اليمني الودية”.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة