الآس في دمشق: رمز الوفاء الخالد على قبور الأحبة وتقاليد الأعياد


هذا الخبر بعنوان "في دمشق.. “الآس” يروي حكاية وفاء لا تذبل على قبور الأحبة" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
دمشق-سانا: في مشهد يمتزج فيه عبق الذاكرة بقدسية المكان، تتجاوز نبتة الآس في دمشق مجرد كونها زينة خضراء، لتتحول إلى رمز حي للوفاء متجذر في وجدان الدمشقيين. ففي أروقة المقابر، لا تُحمل هذه النبتة عبثاً، بل تُغرس على القبور كرسالة محبة لا تنقطع، مؤكدة أن الغياب لا يمحو الحضور، وأن الذكرى تظل متجددة في القلوب، خاصة خلال الأعياد وزيارات الراحلين.
ومع حلول الأعياد، يكتسب وجود الآس دلالة أعمق، حيث يصبح اصطحابه طقساً اجتماعياً وروحياً يحرص عليه الأهالي منذ ساعات الصباح الأولى، لتغدو المقابر محطات للذكرى والدعاء.
أوضح عيد الحلبي، أحد باعة الآس عند أبواب مقبرة الباب الصغير بدمشق، في تصريح لمراسل سانا، أن هذه النبتة "ليست مجرد بضاعة، بل هي جزء لا يتجزأ من طقوس زيارة القبور، حيث يحرص الناس على اقتنائها تعبيراً عن الوفاء والدعاء لأحبائهم"، لافتاً إلى تزايد الإقبال عليها بشكل ملحوظ في الأعياد.
من جانبه، بيّن وائل الحموي، وهو معلم مدرسة، أن عادة شراء الآس لازمته منذ طفولته، قائلاً: "كنا نرافق أهلنا إلى المقابر حاملين الآس، نضعه على القبور ونقرأ الفاتحة. واليوم، أحرص على نقل هذه التفاصيل لأبنائي، لما تحمله من معانٍ إنسانية عميقة تتصل بالوفاء واستمرار الذكرى".
أما فايزة الشرفاوي، ربة منزل، فتجد في الآس بعداً وجدانياً خاصاً، مشيرة إلى أن "رائحته تبعث الطمأنينة في النفس، وكأنها تعبير صامت عن محبتنا لمن فقدناهم، وتعيد إلينا شعور القرب منهم رغم الغياب".
من جانبه، أوضح الباحث التاريخي محي الدين قرنفلة أن استخدام الآس في زيارات القبور يُعد من العادات الاجتماعية المتوارثة في دمشق منذ مئات السنين. فقد ارتبطت هذه النبتة بالمناسبات، وأصبحت جزءاً أصيلاً من السلوك الاجتماعي الذي تتناقله الأجيال، مدعوماً بأبعاد وجدانية عميقة عززت استمرارها في المجتمع.
وبيّن قرنفلة أن للآس رمزية ثقافية عميقة، حيث يُنظر إليه بوصفه رمزاً للطهارة والبركة والذكرى الطيبة، مجسداً معاني الوفاء والمحبة بين الأحياء والأموات. وأشار إلى أن هذه العادة تنتقل من جيل إلى جيل عبر مرافقة الأطفال لذويهم في زيارات القبور، خاصة في صباحات الأعياد.
وأضاف قرنفلة أن نبتة الآس ارتبطت أيضاً بروايات قديمة في الحضارة اليونانية. فإحدى الأساطير تروي قصة الملكة فيدرا، زوجة البطل الإغريقي ثيسيوس، التي عاشت حالة من الحزن والعزلة، وكانت تغرس دبوس شعرها في أوراق الآس حتى أثخنتها بالثقوب قبل أن تموت، ما أضفى على النبتة دلالات رمزية تتصل بالحزن والوفاء واستحضار الذكريات.
فيما يخص انتشار هذه النبتة في سوريا، يوضح المهندس الزراعي محمد رمضان أنها تنمو بشكل طبيعي في المناطق الساحلية، لا سيما في اللاذقية وطرطوس، بالإضافة إلى بعض مناطق ريف حمص وحماة والغوطة المحيطة بدمشق، حيث تستخدم لأغراض الزينة والطقوس الاجتماعية.
وعن طرق العناية بها، أشار رمضان إلى أنها تُزرع في تربة رطبة جيدة التصريف، وتُفضل الأماكن شبه الظليلة، مع ضرورة ريّها بانتظام دون إفراط للحفاظ على لونها الأخضر ورائحتها العطرة.
يُعتبر حوض البحر المتوسط والعراق الموطن الأصلي لهذه النبتة، ولها أسماء عدة منها: الحبق، ريحان الملك، ريحان الحماحم، بادروج، حوك، "شامسفرم". وقد سماها قدماء المصريين "ست" أو "شامو". وفي سوريا تُعرف باسم الآس، بينما في لبنان والعراق تُسمى الياس. أما في المغرب العربي فتُسمى بالريحان، وفي تركيا مرسين، وفي إسبانيا آريان.
سياسة
اقتصاد
ثقافة
ثقافة