قناعان وعقلية واحدة: كيف تتلاعب السلطة السورية بمفاهيم 'المصلحة العامة' و'المجتمع المحلي'؟


هذا الخبر بعنوان ""كاسك يا وطن".. قناعان وعقلية واحدة" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
على مدار أربعة عقود، اعتاد السوريون قراءة عبارة ثابتة في مقدمة كل قرار حكومي: "بناءً على مقتضيات المصلحة العامة". تحولت هذه العبارة مع مرور الزمن إلى عقيدة سلطوية جاهزة، تُستخدم لتبرير كل شيء، بدءاً من السياسات الاقتصادية وصولاً إلى القيود السياسية، ومن مصادرة القرار العام إلى إعادة تشكيل المجتمع وفق أهواء الحاكم. حتى الاعتراض كان يُقابل بسؤال مهين: "أنت شو بفهمك بالمصلحة العامة؟"، وكأن الفهم امتياز سلطوي لا حق بديهي لكل مواطن.
صدّق كثيرون هذه الرواية وشككوا بأنفسهم، قبل أن تنكشف الحقبة بكل وضوح: لم تكن هناك "مصلحة عامة" حقيقية. بل كانت مصالح خاصة تُدار خلف الستار وتُهرَّب إلى الخارج، لتستقر في روسيا بثروات قُدّرت بنحو 20 مليار دولار، بينما كان الداخل يُدار باسم الناس لا لمصلحتهم.
اليوم، تغيّر الشعار لكن الأسلوب بقي كما هو. لم تعد "المصلحة العامة" وحدها الواجهة، بل أُضيفت إليها عبارة أكثر خداعاً: "استجابة لمطالب الأهالي والمجتمع المحلي". لكن هذه الإضافة ليست سوى طبقة طلاء جديدة على بنية قديمة. فـ"المجتمع المحلي" الذي يُستدعى في الخطاب الرسمي، ليس سوى نسخة مُفصّلة على قياس السلطة، تُستخدم لتبرير قراراتها، لا للتعبير عن إرادة الناس.
في مثال صارخ، جاء قرار حصر بيع الخمور والتضييق عليها بوصفه استجابة لشكاوى المواطنين، وكأن المجتمع السوري تحوّل فجأة إلى كتلة واحدة تطالب بالمنع. بل وصل الخطاب إلى حد شكر السعودي عبد الله المحيسني على "النعمة" التي جعلت الشام بلا خمر. هذا ليس تعبيراً عن مجتمع، بل فرض لرؤية أيديولوجية ضيقة، تُمرَّر بصلف تحت لافتة "الاستجابة".
أي مجتمع هذا الذي يُستدعى؟ هل هو ذاته المجتمع الذي كان يناقش بحرية ثقافات الشعوب، من النبيذ الفرنسي إلى الفودكا الروسية والبيرة الألمانية، ويذهب أفراده في الوقت نفسه إلى صلاة الجمعة في مساجد أحيائهم؟ أم هو المجتمع الذي خرج منه مؤسسو النظام المصرفي الإماراتي، وأمهر الأطباء في مشافي ألمانيا، وأفضل المبرمجين في أمريكا، وشعراء كبار مثل أبو عمر ريشة ونزار قباني، ومفكرون مثل أدونيس وطيب تيزيني وأنطون مقدسي، ورجال أعمال ودعاة، وفنانون وقانونيون وصحفيون مبدعون؟
هذا المجتمع الحقيقي، المتعدد والحيّ، لا يشبه الصورة الكاريكاتورية التي تحاول السلطة تسويقها. تماماً كما حاولت السلطة السابقة تشويهه ووصمه بالجهل لتحتكر تعريف "المصلحة العامة"، تحاول السلطة الحالية تقزيمه بشكل أكثر فجاجة، عبر تصويره كجمهور بسيط تحكمه عقد وأمزجة، يمكن استغلالها لتمرير قرارات جاهزة. لكن الفضيحة هنا أن هذه السلطة تتصرف وكأنها أكثر ذكاءً من مجتمعها، بينما هي مكشوفة إلى حدّ الإحراج.
استخدام "المجتمع المحلي" كشماعة بات مفضوحاً، وتكرار هذا الأسلوب لا يعكس قوة، بل عجزاً عن مواجهة الحقيقة: أن القرارات تُصاغ مسبقاً، ثم يُبحث لها عن غطاء اجتماعي زائف. والأخطر، أن هذا المجتمع الذي يُستدعى كذريعة، لا يُسمح له فعلياً بالمطالبة بما هو أهم: حياة سياسية حقيقية، تعددية حزبية، انتخابات شفافة، عقد اجتماعي، مشاورات دستورية، كشف الموازنات، ومصارحة حول الصلاحيات. يُراد له أن يكون مجرد أداة تبرير، لا شريكاً في القرار.
السوريون ليسوا سذّجاً. يعرفون تماماً متى يُستخدم اسمهم كغطاء، ومتى تُفرض عليهم سياسات لا تمثلهم. ويدركون أن استبدال "المصلحة العامة" بـ "المجتمع المحلي" لا يغيّر شيئاً في الجوهر، طالما أن العقلية ذاتها ما تزال تحكم. في النهاية، ليست المشكلة في الشعار، بل في من يختبئ خلفه. وحين تُستخدم الشعارات لتبرير الوصاية، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: لمن تُرفع هذه الكأس فعلاً.. للوطن، أم لسلطة تعتقد أنها أذكى من شعبها، بينما هي مكشوفة أمامه مثل كتاب مفتوح؟
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة