الثورة السورية: جدلية الأصالة والتمثيل في مرحلة ما بعد التحرير


هذا الخبر بعنوان "ثوار دخلاء أصلاء" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يصادف الكاتب محمد غزوان شاهين في هذه الأيام ذكرى اندلاع الثورة السورية ضد نظام الأسد الذي وصفه بـ"الفار"، وذلك بعد مرور عام وبضعة أشهر على تحرير سوريا من قبضة نظامٍ أرهق البلاد ودمرها، فلم يترك حجرًا ولا بشرًا إلا وناله الأذى. لم تكن السنوات الخمس عشرة التي مضت مجرد فترة زمنية ثقيلة، بل كانت مسارًا عميقًا من التضحيات والتحولات التي شكلت خلالها الثورة إحدى أشد التجارب الإنسانية كثافةً وتعقيدًا في تاريخ المنطقة. لم تكن هذه التجربة مجرد حدث سياسي عابر، بل كانت لحظة كبرى كشفت عن معنى الكرامة الإنسانية وحدودها.
في جوهرها، لم تكن الثورة مجرد اعتراض على واقعٍ مفروض، بل سعت إلى إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان وكرامته، وبين الفرد والدولة، وكذلك بين الخوف والقدرة على التغلب عليه. لذا، لا يمكن اختزال قيمتها بما وصلت إليه الظروف الراهنة، أو قياسها فقط بنتائجها السياسية، بل تكمن قيمتها الحقيقية فيما أطلقته من طاقة إنسانية جبارة، وفيما أظهرته من استعداد الشعب لدفع أثمان باهظة في سبيل تحقيق معنى آمنوا بأنه يستحق التضحية.
منذ لحظة التحرير، انتقلت الإدارة السورية الجديدة إلى مرحلة مغايرة تمامًا لما سبقها؛ مرحلة لم تعد فيها التحديات مقتصرة على البقاء أو درء الخطر المباشر، بل تمحورت حول إدارة بلدٍ مُنهك وإعادة بناء ما تبقى من مؤسساته. خلال هذه الفترة، واجهت هذه الإدارة، ومعها البلاد، سلسلة من الأزمات والنكبات التي كان بالإمكان، بتوخي قدر أكبر من الواقعية وتقليل المثالية، التخفيف من آثارها أو تفادي بعضها، خاصة وأنها كانت قد نجحت سابقًا في تخطي تحديات أشد قسوة أثناء مراحل الصراع المباشر. ومع ذلك، لا يمكن إنكار تحقيقها لإنجازات ملموسة، سواء في ترسيخ حدٍ أدنى من الاستقرار أو في مساعيها لإعادة بناء ما يمكن إنقاذه من هياكل الدولة. إلا أن هذه الإنجازات، على أهميتها، تظل نسبية عند مقارنتها بحجم الكارثة الهائلة التي خلفها النظام البائد، وهي كارثة لا يمكن حصرها بسنوات قليلة، بل يمتد أثرها عبر أجيال.
في المقابل، خضعت هذه السلطة لرقابة دقيقة، داخلية وخارجية على حد سواء، وأصبحت محل تقييم مستمر من قبل طيف واسع من الجهات؛ بدءًا من الطامحين والمتضررين والمتصيدين، وصولًا إلى المكلومين الذين لم يجدوا أنفسهم ممثلين أو منصفين بعد، سواء كان ذلك بسبب تقصير أو إهمال أو تأجيل فرضته تعقيدات المرحلة. وفي خضم هذا المشهد، برز انقسام واضح في كيفية النظر إلى هذه السلطة: ففي حين يراها معارضون جدد وموالون سابقون للنظام الوجه الحقيقي والوحيد للثورة التي طالما هاجموها، يرى ناشطون وصحفيون، بالإضافة إلى تيارات مدنية وعلمانية، أن هذه السلطة لا تمثل الثورة. بل يعتبرونها عنصرًا دخيلًا عليها، لا يعكس روحها الأصلية ولا يعبر عن جوهرها، وإنما يشكل انحرافًا عن المسار الذي انطلقت منه.
هذا التباين لا يقتصر على اختلاف في التقييم فحسب، بل يكشف عن توتر أعمق في فهم الثورة ذاتها. فالثورات، بطبيعتها، لا تسير في خط مستقيم ولا تحافظ على نقاء ثابت، بل تمر بتحولات حادة وتتخللها تناقضات البشر بكل ما فيها من ضعف وقوة. لذا، فإن النظر إليها ككيان مثالي منزه، أو العكس تمامًا، يختزل حقيقتها ويشوه معناها الحقيقي.
في هذا السياق، يبرز خطاب "الأصلاء" و"الدخلاء" كمحاولة لإعادة تحديد حدود الانتماء، وكأن الثورة ملكية قابلة للتوزيع بناءً على أسبقية الحضور أو حجم التضحيات. إلا أن هذا التصور يتجاهل أن عظمة الثورة لم تنبع من نقائها، بل من قدرتها على استيعاب التناقضات وجمع أطياف متباينة تحت مظلة فكرة واحدة: أن الواقع القائم لا يمكن أن يستمر. ولعل النقطة الأهم التي يجب التوقف عندها هي أن التجربة الثورية، بكل أبعادها، تضع الجميع أمام حقيقة إنسانية بسيطة وقاسية في آن واحد: من الممكن أن تكون بطلًا... ومخطئًا أحيانًا. هذه الحقيقة لا تقتصر على طرف دون آخر، بل تشمل الجميع؛ السلطة القائمة، ومؤيديها، وحتى المعارضين من أبناء الثورة أنفسهم. فكل طرف، بطريقته الخاصة، كان جزءًا من هذه التجربة، وأسهم فيها، وأخطأ فيها أيضًا. إن الإقرار بهذه الحقيقة لا يقلل من قيمة التضحيات، ولا يبرر الأخطاء، بل يفتح المجال أمام قراءة أكثر نضجًا، تسمح بتجاوز منطق التخوين والتصنيف الحاد، نحو فهم أعمق لتعقيدات المرحلة الراهنة.
في ضوء ما سبق، يبدو التعامل الواقعي مع المرحلة الراهنة مرتكزًا على الاعتراف بهذه السلطة ككيان مؤقت، لا يمثل نهاية مسار الثورة أو شكلها النهائي، بل هو محطة ضمن مسار أطول. ويتطلب هذا الفهم، في الوقت ذاته، عدم إهمال بناء هياكل سياسية ومجتمعية موازية، تشمل أحزابًا وهيئات مجتمع مدني وتجمعات ثقافية، تكون قادرة على إرساء حياة سياسية حقيقية تتجاوز مجرد إدارة المرحلة إلى صياغة ملامح المستقبل. كما يفرض هذا الواقع الاعتراف بأن هذه السلطة تشكل مكونًا أصيلًا من مكونات الثورة، وتعكس شريحة واسعة من السوريين، دون أن يمنحها ذلك الحق في احتكار التمثيل أو اختزال الثورة ضمن حدودها. فقد كانت، لفترة طويلة، الكيان الأكثر تماسكًا وتنظيمًا، وتمكنت، على عكس قوى أخرى انبثقت عن الثورة، من الانتقال من حالة العمل الثوري إلى تشكيل نواة دولة ثم حكومة، في حين عجزت قوى أخرى عن تجاوز حالة التشتت أو إيجاد إطار جامع.
إلا أن هذا التقدم التنظيمي، على الرغم من أهميته، لا يكفي وحده لتأسيس شرعية شاملة، كما أن إخفاق الآخرين لا يمنحها تفويضًا مطلقًا. فالثورة، منذ انطلاقتها، كانت أوسع من أي إطار وأكبر من أي تمثيل، وستبقى كذلك، لأنها في جوهرها لم تكن مجرد صراع على السلطة، بل كانت محاولة لاستعادة معنى أعمق. وعليه، فإن الحفاظ على هذا المعنى لا يتحقق بإقصاء المختلف، ولا باحتكار الحقيقة، بل بقبول التعقيد الذي نشأت فيه الثورة في الأساس، وبإدارة هذا التعقيد بدلًا من الهروب منه. فال ثورة التي تُختزل تفقد روحها، بينما تلك التي تعترف بتناقضاتها، تمتلك فرصة حقيقية للاستمرار والتطور.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة