مسابقة النشيد الوطني السوري تثير جدلاً دستورياً: هل تجاوزت وزارة الثقافة صلاحياتها؟


هذا الخبر بعنوان "مسابقة النشيد الوطني.. هل خالفت الإعلان الدستوري" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أثار إعلان وزارة الثقافة السورية عن إطلاق مسابقة لتلحين النشيد الوطني السوري، في 16 من آذار الحالي، تساؤلات وشكوكًا واسعة حول شرعية هذه الخطوة وقانونيتها. وبينما صرحت الوزارة بأن المسابقة تهدف إلى "عكس روح الشعب وقيمه الجامعة عبر مسار فني جديد"، جاء هذا الإعلان في ظل المرحلة الانتقالية التي تمر بها سوريا.
تكمن الإشكالية الدستورية في أن الإعلان الدستوري، الصادر في 13 من آذار 2025، نص في مادته الخامسة على أن النشيد الوطني لا يحدد إلا بقانون. هذا الشرط أثار شكوكًا حول شرعية إعلان الوزارة، خاصة في ظل غياب مجلس تشريعي في سوريا حتى اليوم، وهو الجهة المخولة بإصدار القوانين.
وفي حديثه لعنب بلدي، أوضح المحامي المختص في القانون الجنائي الدولي، المعتصم الكيلاني، أن النشيد الوطني يُعد من منظور دستوري أحد الرموز السيادية للدولة، شأنه شأن العلَم والشعار. وبالتالي، فإن تنظيمه أو تعديله يخضع لأحكام خاصة نص عليها الإعلان الدستوري المؤقت لعام 2025، وتحديدًا المادة الخامسة التي تؤكد أن تحديد النشيد الوطني يتم بقانون. وبناءً على ذلك، فإن الاختصاص في هذا المجال ينعقد حصرًا للسلطة التشريعية، ولا يجوز للسلطة التنفيذية أن تنفرد باتخاذ قرار من هذا النوع.
وأشار المحامي الكيلاني إلى إمكانية النظر إلى هذه الخطوة من زاوية قانونية أخرى؛ فإذا كان الهدف منها يقتصر على جمع مقترحات فنية أو إثراء النقاش الثقافي العام دون أي أثر ملزم، فإن هذا الإجراء يبقى ضمن حدود المبادرات المشروعة. أما إذا كان يمهّد فعليًا لاعتماد نشيد وطني جديد بقرار إداري أو حكومي، فإنه يثير إشكالية دستورية جدية لتجاوزه حدود الاختصاصات المرسومة دستوريًا.
من جانبه، نوه مدير "الشبكة السورية لحقوق الإنسان"، فضل عبد الغني، إلى أن أدبيات العدالة الانتقالية تشدد على أن الرموز لا ينبغي أن تُفرض على عجل، بل يجب أن تتبلور تدريجيًا عبر آليات مؤسسية تتيح المعالجة المجتمعية للأثر العاطفي للنزاع. وتحدد الأدبيات، بحسب عبد الغني، فئات تمثيل أساسية لمثل هذه اللجان، تشمل خبراء موسيقى وملحنين ومختصين في التراث الثقافي، وممثلين عن المجتمع المدني، ومدافعين عن حقوق الإنسان، وممثلين إقليميين ومجتمعيين مستقلين عن البنى الحزبية، وخبراء في القانون الدستوري لضمان الاتساق مع المبادئ الدستورية والحقوق الأساسية، بالإضافة إلى ممثلين عن الشباب لضمان الشرعية بين الأجيال، في سبيل منع احتكار فئة بعينها لعملية صياغة النشيد، مع ضمان الحد الأدنى من الكفاءة الفنية والقانونية في آن واحد.
يمثل النشيد الوطني أحد أبرز الرموز السيادية للدولة، فهو مقطوعة موسيقية وكلمات رسمية تجسد تاريخ البلاد وقيمها وهويتها الوطنية، ويهدف لتعزيز الانتماء والوحدة بين السكان، ويُعزف في المناسبات الرسمية والدبلوماسية والرياضية، ما يجعله حاضرًا في وجدان الشعب ومحفزًا للمشاعر الوطنية.
وأوضح المحامي المعتصم الكيلاني أن خطوة وزارة الثقافة تشكل انتهاكًا لمبدأ الشرعية الدستورية الذي يقضي بأن تمارس كل سلطة صلاحياتها ضمن الحدود التي رسمها الدستور. وأشار إلى أن قيام وزارة أو لجنة فنية باتخاذ خطوات ذات طابع سيادي، يعد تجاوزًا لاختصاص السلطة التشريعية، لأن اللجان العلمية لا تملك سوى دور استشاري، ولا يمكنها اتخاذ قرارات ملزمة في مسائل تتعلق برموز الدولة. وأضاف أن المخالفة القانونية في إعلان وزارة الثقافة تتمثل في هذه الحالة إذا تجاوزت المبادرة طابعها الثقافي، وتحولت إلى مسار فعلي لاعتماد نشيد وطني دون المرور بالإجراءات التشريعية المطلوبة. وبيّن الكيلاني أن التعامل مع النشيد الوطني كموضوع إداري أو ثقافي بحت، يعد إخلالًا بطبيعته القانونية كرمز سيادي يستوجب إجراءات خاصة تضمن التمثيل العام والشرعية.
الرئيس السوري أحمد الشرع يلتقي مع وزير الثقافة محمد الصالح وعدد من الأدباء والشعراء لمناقشة ترتيبات النشيد الوطني السوري – 19 تشرين الأول 2025 (الرئاسة السورية)
لم تكن سوريا الدولة الأولى التي تتجه نحو تغيير نشيدها الوطني، فقد سبقتها دول عدة عبر التاريخ بهذه الخطوة خلال المرور بمراحل انتقالية، كالمرحلة التي تمر بها سوريا اليوم. فجنوب إفريقيا قامت بتغيير نشيدها الوطني بعد التخلص من نظام الفصل العنصري في تسعينيات القرن الماضي، ونهجت ليبيا ذات النهج عقب التخلص من حكم معمر القذافي في 2011. ويُعد تغيير النشيد في هذه المراحل جزءًا من صيانة هوية وطنية جامعة وليس مجرد عمل فني.
وأشار مدير "الشبكة السورية لحقوق الإنسان"، فضل عبد الغني، إلى أن الدراسات تكشف عن قصور بنيوي في المناهج التي تعتمد حصرًا على مسابقات تدار عبر الوزارات دون آليات تشاركية أوسع. إذ غالبًا ما يُنظر إلى العمليات التي تقودها الوزارات بوصفها مركزية وإقصائية بما يقوض ملكية الجمهور للرمز المنتج. كما تبرز مخاطر التسييس عندما تهيمن الاعتبارات الحزبية على تشكيل لجان الاختيار، فتقدم المصالح السياسية على حساب الجدارة والمعنى الجامع. إضافة إلى ذلك، تفشل هذه المناهج عادة في ضمان التشاور الفعال مع الفئات الأكثر تضررًا من النزاع، بمن فيهم النازحون والأقليات والناجون، وهو ما تعده العدالة الانتقالية شرطًا جوهريًا في مقاربة تتمحور حول الضحايا. وأضاف عبد الغني أن غياب جلسات استماع عامة ومعايير منشورة للتقييم، يجعل إجراءات الاختيار تبدو تعسفية وغير خاضعة للمساءلة، منوهًا إلى أن الضغط السياسي يميل إلى تقليص مساحة المداولات الهادئة، بما ينتج رموزًا عاجزة عن التعبير الكافي عن الهوية الوطنية المركبة.
شرعية النشيد الوطني في السياقات الانتقالية، تفترض مشاركة متعددة المستويات تُبنى على مراحل متتابعة. تبدأ المرحلة الأولى، وهي مرحلة التشاور الواسع النطاق، عبر حملات توعية مدنية تشرح الدور الدستوري للنشيد ومعايير اختياره ومشاورات إقليمية لجمع التصورات حول القيم الجامعة والخطوط الحمراء وإشراك المجتمع المدني من خلال منتديات وهيئات ثقافية، إلى جانب منصات رقمية تيسر مشاركة المغتربين، وفق ما أشار إليه مدير "الشبكة السورية لحقوق الإنسان"، فضل عبد الغني.
وأضاف أن المرحلة التالية تشمل مسابقة مفتوحة تُدار وفق إرشادات تقديم شفافة، ومعايير تقييم معلنة تركز على الجدارة الفنية والشمولية وسهولة الأداء والغناء والملاءمة الرمزية. ثم تأتي مرحلة تقييم لجنة الخبراء بما يشمل الفحص الفني ومراجعة المضمون وإعلان مبررات الاختيار. بعد ذلك تخضع المقترحات النهائية، بحسب مدير "الشبكة السورية"، لاختبارات أداء في المدارس والفضاءات العامة مع فتح فترات منظمة لتلقي الملاحظات تمكن المجتمع المدني وجماعات الضحايا من إبداء الرأي، قبل التصديق التشريعي أو الشعبي الذي يأتي كخطوة أخيرة عبر نقاشات برلمانية أو آليات استفتائية في تثبيت الشرعية وتحصين الرمز من الطعن السياسي اللاحق.
من جانبه، أوضح المحامي المعتصم الكيلاني، أن تلافي مخالفة الدستور في إعلان وزارة الثقافة يتطلب أولًا ضبط طبيعة هذه المبادرة وحصرها في إطارها الثقافي والاستشاري، بحيث تبقى نتائج المسابقة مجرد مقترحات غير ملزمة ولا يترتب عليها أي أثر قانوني مباشر. وقال الكيلاني، إن الطريق القانوني الصحيح في حال وجود توجه جدي لاعتماد نشيد وطني جديد، يقتضي الالتزام بالإجراءات الدستورية، وذلك من خلال إعداد مشروع قانون يُعرض على السلطة التشريعية المختصة، ويُقر وفق الأصول المعتمدة، بما يضمن احترام مبدأ الشرعية وتمثيل الإرادة العامة. أما إذا كانت الإجراءات قد اتخذت بالفعل بشكل يتجاوز هذه الحدود، فيبقى من الممكن، بحسب المحامي الكيلاني، اللجوء إلى القضاء الإداري عبر دعوى إلغاء القرار لمخالفته الدستور وصدوره عن جهة غير مختصة، باعتبار أن احترام التسلسل القانوني وصلاحيات السلطات، يشكل أساسًا لضمان استقرار النظام القانوني ومشروعية القرارات الصادرة عنه.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة