حلويات العيد في سوريا: تقاليد متوارثة تصمد أمام التحديات الاقتصادية


هذا الخبر بعنوان "حلويات العيد في سوريا… حكاية تراث يُصنع في البيوت" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في مشهد يعكس عمق التمسك بالتقاليد المتوارثة، يفضل العديد من السوريين، رغم انتشار الأفران ومحال الحلويات في المدن، إعداد حلويات العيد في منازلهم. تتجاوز هذه العادة مجرد تحضير الحلوى، لتصبح استعادة لذكريات عزيزة وبناء للحظات عائلية مشتركة تضفي على العيد نكهته الخاصة. ومع حلول العشر الأواخر من شهر رمضان، تعود صناعة حلويات عيد الفطر لتشغل حيزاً مهماً في الحياة اليومية، حيث تمتزج فيها متعة العمل بفرحة العيد، وتتداخل التقاليد العريقة مع الضرورات المعيشية.
توضح الباحثة في التراث، الدكتورة نجلاء الخضراء، لوكالة سانا، أن إعداد حلويات العيد يتعدى كونه مجرد وصفات ومكونات، ليتحول إلى طقس اجتماعي يحمل عبق التاريخ وأصالة الأرض، توارثته الأجيال النسائية جيلاً بعد جيل. وتشير الخضراء إلى أن هذا التقليد يجسد فرحة العيد قبل حلوله، من خلال أجواء جماعية تتناغم فيها أصوات طرقات القوالب مع غناء النسوة.
تؤكد الدكتورة نجلاء الخضراء أن المعمول، الذي يُعد من أبرز رموز العيد، يتمتع بجذور تاريخية عميقة. فقد عرفه السوريون القدماء وقدموه كـ"لقيمات مباركة"، وظهر أيضاً في العهد البيزنطي بأشكال رمزية ذات دلالات دينية. وتضيف الخضراء أن صناعة المعمول تطورت في العصور الإسلامية، حيث صُنعت له قوالب خاصة، ليصبح بمرور الزمن من أهم مظاهر الاحتفال بالعيد. وفي القرن التاسع عشر، انتقل المعمول من الأسواق إلى البيوت، ليصبح جزءاً لا يتجزأ من الطقوس العائلية.
ولا يقتصر هذا الإرث على المعمول وحده، فتشير الخضراء إلى أن الحلويات الشرقية الأخرى تعود بجذورها إلى العهد الآشوري، حيث ظهرت أشكال أولية من رقائق العجين المحشوة بالمكسرات والعسل. وقد ازدهرت هذه الحلويات لاحقاً في مدن مثل دمشق وحلب، لتشمل أصنافاً متنوعة كالبقلاوة و"زنود الست" و"عش البلبل".
في حي الشيخ سعد بدمشق، يتجسد هذا المشهد العائلي في منزل الجدة هدى عبد الله، حيث تجتمع مع بناتها وحفيداتها حول صينية واسعة من العجين المحشو بالتمر والجوز والفستق الحلبي. تؤكد الجدة هدى أن هذا الطقس يتجاوز مجرد إعداد الحلويات، ليصبح فرصة ثمينة لالتقاء العائلة وتبادل الأحاديث والذكريات. وتضيف أن صناعة المعمول في المنزل باتت ضرورة ملحة بعد الارتفاع الكبير في أسعار الحلويات الجاهزة، معتبرةً أنها في الوقت ذاته تعيد للعيد نكهته الأصيلة.
تتطابق هذه الصورة مع ما ذكرته الدكتورة الخضراء حول ظاهرة "لمة النسوة"، التي تُعد من أبرز سمات هذا التقليد. ففيها تجتمع النساء من الأقارب والجيران لأيام متتالية، يتشاركن العمل ويتبادلن القصص، بينما يترقب الأطفال بشغف خروج أولى القطع من الفرن. كما كان للفتيان والفتيات دورهم في نقل الصواني إلى الأفران، في مشهد يعكس روح التعاون الأسري والتكافل الاجتماعي.
إلى جانب أبعاده الاجتماعية والثقافية، اكتسب هذا الطقس بعداً اقتصادياً متزايداً. فمع الارتفاع الملحوظ في أسعار الحلويات الجاهزة خلال السنوات الأخيرة، لجأت العديد من الأسر إلى إعدادها في المنزل كخيار أوفر تكلفة. يؤكد وحيد عقيلي أبو يزن، الموظف في إحدى الدوائر الحكومية، أن هذا التوجه "لم يعد مجرد تقليد، بل تحول إلى حل اقتصادي فعلي". ويوضح أن أسعار البرازق والغريبة والكعك الجاهز "ارتفعت بشكل كبير"، مما دفعه وزوجته إلى تخصيص يوم كامل قبل العيد لتحضير ما يكفي العائلة.
ويضيف أبو يزن أن تحضير البرازق في المنزل "يوفر نصف التكلفة تقريباً"، فضلاً عن إمكانية التحكم في جودة المكونات، ما يمنح العائلة شعوراً بالرضا والاطمئنان. من جانبها، تشير هدى عبد الله إلى أن تكلفة الكيلو الواحد من المعمول المنزلي تقل كثيراً عن سعره في الأسواق، مما يجعله خياراً مفضلاً لدى الكثير من الأسر.
وتوضح الدكتورة الخضراء أن السوريين انقسموا تاريخياً بين من يفضلون صناعة الحلويات في المنزل ومن يعتمدون على شرائها من الأسواق. وتلفت إلى أن تسعينيات القرن الماضي شهدت ازدهاراً في شراء الحلويات الجاهزة، خاصة من أسواق دمشق كسوق الميدان، الذي اشتهر بجودة منتجاته. إلا أن ارتفاع الأسعار في السنوات الأخيرة أعاد الكثيرين إلى المطبخ، وإن كان ذلك بكميات محدودة.
على الرغم من بساطة هذا النشاط في ظاهره، إلا أنه يستند إلى خبرات دقيقة تراكمت عبر الأجيال. تؤكد الدكتورة الخضراء أن جودة الكعك والمعمول تعتمد على تفاصيل جوهرية، مثل اختيار نوع الدقيق المناسب، وإتقان طريقة "قدح السمن" التي تمنح العجين قوامه الفريد. وتضيف أن الجدات كن يحرصن على تسخين السمن بدرجة معتدلة قبل سكبه على الدقيق، ثم يترك العجين ليرتاح لساعات فيما يعرف بـ"بث الطحين"، كما كن يتجنبن استخدام الحليب للحفاظ على جودة الحلوى لفترة أطول.
وتلعب القوالب دوراً مهماً في هذه العملية، حيث كانت القوالب الخشبية تحمل زخارف مميزة لكل بيت، بالإضافة إلى استخدام "المنقاش" لنقش الزخارف يدوياً. ورغم ظهور القوالب الحديثة، لا تزال هذه الرموز التقليدية حاضرة بقوة، محافظةً على روح التراث السوري الأصيل، وفقاً للدكتورة الخضراء.
من جانبها، ترى الشابة راما اسماعيل، وهي طالبة جامعية، أن صناعة الحلويات تمثل أيضاً فرصة قيمة للأجيال الجديدة للتواصل مع هذا الموروث العريق. وتصفها بأنها "فرصة لإحياء الموروث الشعبي وتعلم وصفات الجدات"، مشيرةً إلى دور وسائل التواصل الاجتماعي في نشر وصفات مبسطة شجعت الشباب على خوض هذه التجربة. وتلفت راما إلى أن بعض النساء بدأن بتحويل هذه المهارة إلى مصدر دخل، من خلال بيع الحلويات المنزلية عبر الإنترنت أو ضمن شبكات اجتماعية محلية، مؤكدةً أن "الإقبال على هذه المنتجات كبير لأنها تجمع بين الطعم التقليدي والسعر المقبول".
ولا تكتمل طقوس العيد دون تبادل أطباق الحلويات بين الجيران والأقارب، في تقليد يعكس روح المحبة والتكافل الاجتماعي. وفي هذا السياق، توضح الدكتورة الخضراء أن العائلات كانت ترسل جزءاً من الحلوى كهدايا ومعايدات، بالإضافة إلى تخصيص حصة توزع صباح العيد على روح الأموات، في تعبير رمزي عن مشاركة الفرح مع الغائبين.
وتختتم الدكتورة الخضراء حديثها بالتأكيد على أن "طقس صناعة الكعك ليس مجرد عادة موسمية، بل هو تعبير عن التمسك بالهوية وحب الحياة، إذ تبقى رائحة المعمول المنتشرة في البيوت علامة على استمرار الفرح، مهما تبدلت الظروف". ففي بلد اعتاد أن يصوغ الفرح من تفاصيله اليومية، تبدو حلويات العيد أكثر من مجرد طعام يُقدَّم للضيوف؛ إنها تعبير حي عن قدرة السوريين على التمسك بعاداتهم وتقاليدهم رغم كل التحديات والظروف الصعبة.
ثقافة
سياسة
ثقافة
ثقافة