الدراما السورية في رمضان: عودة للسياسة تثير جدلاً نقدياً وقانونياً حول حدود الجرأة والابتذال


هذا الخبر بعنوان "الدراما السورية تختبر حدودها.. السياسة بين الجرأة والابتذال" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهدت الدراما السورية خلال موسم رمضان الحالي جدلاً واسعاً، بعد عودتها الصريحة لتناول القضايا السياسية والملفات المرتبطة مباشرة بسنوات الثورة السورية، وما خلفته من آلام وتحولات مجتمعية عميقة. لم يقتصر هذا الحضور السياسي على الأعمال الدرامية الجادة فحسب، بل امتد ليشمل الأعمال الكوميدية والساخرة أيضاً، مما أثار موجة من الانتقادات حول طبيعة هذا الطرح وحدوده الفنية والأخلاقية.
برزت اتهامات لبعض الأعمال الدرامية بـ"الاستخفاف بالألم" وتحويل معاناة السوريين إلى مادة تجارية، عبر محتوى لا يرقى إلى حجم الألم والتحولات التي شهدتها الثورة السورية. وفي هذا السياق، أوضح الناقد الفني عامر فؤاد عامر، في حديثه لـ عنب بلدي، أن هذه التهمة ليست بجديدة في تاريخ الدراما، فكل حدث تاريخي كبير يتحول لاحقاً إلى مادة فنية. وأشار عامر إلى أن الإشكالية تكمن في طريقة معالجة الحدث وليس في تناوله بحد ذاته، مقسماً المعالجات إلى ثلاثة مستويات رئيسة:
ويرى عامر أن هذه الانتقادات قد تكون صحيحة جزئياً في بعض الأعمال، لكنها لا تشمل مجمل الإنتاج الدرامي.
كما أثير جدل حول إقحام السياسة في بعض المشاهد الدرامية دون مبرر فني واضح، وهو ما ظهر في أعمال مثل مسلسل "مولانا" من خلال "إفيهات" استخدمها الفنان تيم حسن، وفي سياقات مسلسل "عيلة الملك"، كاستخدام شعار "الموت ولا المذلة" الذي رافق مظاهرات الثورة السورية بطريقة مستخفة. وعزا عامر هذه الظاهرة إلى عدة عوامل، منها الدافع التجاري لجذب الجمهور وإثارة الجدل، خاصة في موسم رمضان، إضافة إلى دوافع أيديولوجية لتمرير مواقف سياسية مباشرة عبر الحوار بدلاً من البناء الدرامي. كما لفت إلى "ضعف الكتابة" كعامل ثالث، حيث يلجأ بعض الكتّاب إلى الخطاب السياسي المباشر لتعويض غياب البناء الدرامي المتماسك. ويؤكد عامر أن هذا الإقحام يؤثر سلباً على العمل، فيفقده صدقيته الفنية ويحوّل الحوار إلى خطاب سياسي بدلاً من أن يكون جزءاً من تطور الشخصيات.
إقحام السياسة في المسلسلات الدرامية يفقدها صدقيتها الفنية، ويحول الحوار إلى خطاب سياسي.
لم تسلم الأعمال الكوميدية من هذه الانتقادات، خصوصاً مسلسل "ما اختلفنا 3"، الذي يقدم لوحات ساخرة عن الواقع السوري بعد التحولات السياسية. أثارت بعض لوحات المسلسل، مثل تلك التي تناولت حواراً بين بشار الأسد ووالده، أو لوحة تعلمه اللهجة السورية، جدلاً كبيراً بين ناشطين رأوا فيها تسخيفاً لتجربة الألم وأرواح الضحايا. وعلق عامر على ذلك بأن السخرية السياسية هي "أداة تاريخية للنقد والمقاومة"، خاصة في الكوميديا السوداء التي تهدف أحياناً إلى تفكيك الخوف بالضحك. إلا أن المشكلة تكمن "عندما لا يكون هدف السخرية واضحاً، أو عندما لا يوازن العمل بين الطابع الكوميدي وحساسية الحدث"، مما قد يُفهم على أنه تقليل من حجم المأساة.
السخرية السياسية أداة تاريخية للنقد والمقاومة، والمشكلة تظهر عندما لا يكون هدف السخرية واضحاً، أو عندما لا يوازن العمل بين الطابع الكوميدي وحساسية الحدث.
بعيداً عن الجدل النقدي والفني، يطرح المقال تساؤلاً حول الحدود القانونية لتناول القضايا السياسية في الدراما. هل يُعد إدخال السياسة في الأعمال الفنية حقاً مكفولاً ضمن حرية التعبير، أم أنه قد يعرض صناعها للمساءلة؟ أجاب الخبير القانوني والمحامي فادي مجدمة بأن الدراما تندرج ضمن حرية التعبير عن الرأي، ولا يوجد ما يمنع قانونياً تناول الشأن السياسي فيها، فالدراما السياسية صنف معترف به عالمياً. وأوضح مجدمة لـ عنب بلدي أن الدراما السورية لم تعرف هذا الطرح سابقاً بالقدر نفسه، حيث كانت تخضع لرقابة مشددة عبر "مقص الرقيب" من قبل دائرة الرقابة على المصنفات الفنية، التي كانت تمنح أو تمنع إجازة العرض بناءً على توجيهات عليا. أما اليوم، ومع التحولات السياسية، فقد تغير المشهد القانوني، وأصبح الفن، بحسب مجدمة، مساحة تعبير حرة تخضع لمنطق التنافس وحرية الفكر، بدلاً من أن يكون أداة لتلميع السلطة.
وبخصوص إمكانية ملاحقة الأعمال التي يُنظر إليها على أنها تسيء للثورة أو تقلل من شأنها، أكد مجدمة أن القانون يتيح للأفراد والجهات الحقوقية اللجوء إلى القضاء إذا اعتبروا أن العمل يمس كرامتهم أو يتجاوز قيم الضحايا. لكنه فرق بين "الاستخفاف" و"التزوير"، موضحاً أن الأعمال الساخرة أو النقدية تندرج ضمن حرية التعبير ولا يمكن تجريمها لمجرد أنها مستفزة. في المقابل، تصبح المساءلة القانونية واردة إذا ثبت أن العمل يتضمن تزييفاً ممنهجاً للحقائق التاريخية، أو إنكاراً لجرائم موثقة، أو إساءة لرموز جامعة بطريقة تحرض على الكراهية أو الانقسام، أو تلميع شخصيات متورطة في انتهاكات جسيمة. كما نبه إلى أن تحويل المعالجة الساخرة إلى تشويه لحقائق جرائم الحرب قد يفتح الباب أمام ملاحقات قانونية على المستويين المحلي والدولي.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة