بهجة العيد: حنين إلى زمن مضى وتقاليد أصيلة في مواجهة واقع متغير


هذا الخبر بعنوان "بهجة العيد بين الماضي والحاضر" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يستعيد الكاتب مالك صقور ذكريات العيد في الطفولة، واصفاً مشهد الطفل الذي يرتدي ثيابه الجديدة وحذاءً أحضره والده من طرابلس، ممسكاً بحفنة من النقود المعدنية، ويقف بباب المنزل متطلعاً يميناً ويساراً بانتظار قدوم العيد. يخرج الطفل مراراً، ثم يعود باكياً لأمه متسائلاً: «لم يأت العيد.. تقولون: جاء العيد.. أين العيد؟!»، ويضيف: «لم أره، وأنا ارتديتُ ثياب العيد وخرجيتي معي، وأنا منذ شهر بانتظاره. هل يعني أنه جاء، ولم يمرْ في شارعنا؟ أو، لا يريد أن يزور بيتنا؟!»، فيبتسم الأب ويمسح دموع الطفل قائلاً: «لا تقلق، نحن سنذهب إليه».
يتذكر الكاتب هذه الذكرى البعيدة اليوم، عندما سأله جوهر: «هل سيأتي العيد هذا العام؟!»، ليجيب بحسرة: «انقضى شهر رمضان المبارك، لكن العيد لم يأتِ، ولن يأتي، كما كنا نعيشه في طفولتنا، واليوم لا نستطيع الذهاب إليه كما كان يُرضيني أبي. العيد، يا جوهر، لم يعد عيداً.. في الطفولة البعيدة، يا جوهر، كان العيدُ عيداً حقيقياً.. لم يكن مجرد عطلة. وكان العيد طقساً جميلاً رائعاً، وكان الناس ينتظرونه، ويحسبون له حساباً، ويحضرّون له مسبقاً. كان العيد فرحاً ومسرة وبهجة وسعادة».
ويستطرد الكاتب في وصف كيف كانوا يستقبلون العيد في ضيعتهم، فبعد صلاة العيد، يتفق المصلون على نقطة الانطلاق لـ«المعايدة»، فينطلقون إلى كل بيت، وفي كل بيت يقدمون ضيافة العيد التي كانت غالباً رزاً بحليب، وأقراص العيد على التنور (المرقَدْ)، وبعض أصناف الحلوى. كانت الزيارة الأولى لبيت فيه مريض، والثانية لبيت فيه خصومة مع بيت آخر، حيث كان من الواجب أن يقوم المعايدون بعملية الصلح والتسامح، وشرط إتمام الصلح أن يكون الغداء أو العشاء في منزل أحد الخصمين للتأكد من نجاح العملية. ومن الأمور التي لا تُنسى أيضاً توزيع الحليب واللبن لمن ليس لديهم أبقار أو أغنام، وتذكر الفقراء.
في الساحة الكبيرة، كانت تُنصب أرجوحة خشبية كبيرة، لتكون فرصة سانحة لأطفال الضيعة للتمتع بها، ينتظرونها من عام لعام. وفي زاوية أخرى من الساحة، يأتي حامل صندوق الفرجة، وفي زاوية ثالثة يقف بائع الحلوى. أما الصبايا والشباب، فكانوا يذهبون نهاراً إلى مقام الخضر، وحول هذا المقام يتشكل عرض واستعراض لكل سكان القرى المحيطة، حيث تُعقد حلقات الدبكة، ويتم التنافس بين القرى في مجال الدبكة على وقع الطبل والمزمار والمجوز والأرغول، وكان ذلك الطقس مهرجاناً حقيقياً. وفي السهرات، كان الشباب والصبايا يجددون الدبكة على البيادر، بعد أن ينصبوا عموداً يعلقون عليه (اللوكس)، وأحياناً يوقدون النار، ويتم الفرح والشوباش حتى الهزيع الأخير من الليل، على أمل التجدد غداً.
أما الرجال فكانوا يجتمعون كل يوم في بيت من البيوت بحضور الشعراء وقوالي العتابا والميجنا، حيث تبدأ المنادمة بين شاعرين، ولكل منهما فريق تشجيع. يتناول الشعراء مواضيع مختلفة كالمقارنة بين الضيعة وإيجابياتها وسلبيات المدينة، أو الأنثى والرجل، أو البر والبحر، أو السهل والجبل. ويتخلل ذلك عزف على الربابة. ثلاثة أيام تنقضي بسرعة، ومن ثم يعود كل إلى عمله.
يشير الكاتب إلى أن طقوس الاحتفال عند مقام الخضر بقيت حتى عام 1967، وبعد تلك الهزيمة، توقفت الاحتفالات بالطريقة السابقة، ولا يتذكر ما إذا كان الناس قد تركوها حزناً على الجولان والهزيمة، أم أن الحكومة يومها منعت الاحتفال. ويختتم الكاتب حديثه قائلاً: «أجل يا جوهر: منذ زمن بعيد، يا صاحبي، لم يعد العيد عيداً، ومنذ زمن قُتلتْ فرحة العيد وتلاشت بهجته!! كان العيد عيداً، أيام كان الناس متحابين متسامحين؛ أيام كانت الأخلاق والقيم الرفيعة والعادات الجميلة والأعراف الرائعة هي السائدة.. والآن يسيطر عصر الاستهلاك، وفقدان القيم، وموت العاطفة، وصلة الرحم أيضاً. لذلك، ترانا نردد مع جدنا أبي الطيب المتنبي في كل عيد: عيدٌ بأَية ِحالٍ عُدتَ ياعيدُ بما مضى أم بأمر فيك تجديدُ أما الأحبةُ فالبيداء دونهم فليت دونك بيداً دونها بيدُ. لقد تغيّرت الدنيا، ويبدو أن هذا الزمن ليس زمن أعياد تحمل الفرح والخير والسرور والحبور، وفي الفضاء رائحة البارود، في كل مكان. ولا نسمع مَنْ يُبشّر، نسمع، فقط، مَنْ يُحذّر، ويهدد، ويُنذر. ومع ذلك، يا جوهر، سنبقى متفائلين بأن غداً أفضل. ولا بد من قول: كل عام وأنتم بخير» (موقع: أخبار سوريا الوطن).
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة