دمشق تكشف كنوزاً تاريخية نادرة: أبجدية أوغاريت وأقدم نوتة موسيقية تُعرض لأول مرة منذ 15 عاماً


هذا الخبر بعنوان "لأول مرة منذ 15 عاما.. دمشق تعرض أبجدية أوغاريت وأقدم نوتة موسيقية في العالم" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تُعد كل حضارة نقطة انطلاق، ومع كل بداية يبرز أثر خالد يقاوم غياهب النسيان. من النقوش البدائية على الحجر التي وثقت دهشة الإنسان السوري الأولى بالعالم، إلى الحروف التي تطورت عبر القرون لتصبح وعاءً للمعرفة وذاكرة للشعوب، تتجلى هذه الرحلة الآسرة عبر الزمن في المتحف الوطني بدمشق. يكشف المعرض كيف كانت سوريا من أبرز مواطن الكتابة وصاحبة أولى الأبجديات الإنسانية.
في هذا السياق، يقدم معرض "من الرمز إلى الحرف" سردية بصرية متكاملة عن هذا الإرث الحضاري. تتجاور فيه اللقى الأثرية والنقوش التوثيقية لتشكل خريطة شارحة لتطور الكتابة في سوريا، منذ عصور ما قبل التاريخ وحتى يومنا هذا. يُقام المعرض بإشراف وزارة الثقافة السورية والمديرية العامة للآثار والمتاحف، ضمن فعاليات يوم التراث العالمي، احتفاءً بإرث ثقافي غني أسهم في صناعة التاريخ الإنساني.
عند بداية المعرض، يستقبل الزوار تحفة نادرة تتمثل في رسوم بدائية على حجر الكلوريت المصقول، تعود إلى العصر الحجري الحديث. يظهر في منتصفها رجل يقف على دائرتين متحدتي المركز يقسمهما خط مستقيم، ويتميز الرسم برجلين طويلتين وجذع قصير ورأس غير واضح المعالم. إلى يمينه نُقشت أفعى، وإلى يساره ثلاثة نقوش على شكل زوايا تدل على قرون ثور، وتبدو هذه التحفة أقرب إلى تعويذة أو معتقد ديني سائد آنذاك.
تلي ذلك مجموعة من الرقم الطينية والفخارية الاقتصادية والدينية التي تغطي فترات ما قبل التاريخ، ثم تماثيل ورقم حجرية تعود لحضارات آرام وكنعان وتدمر. ينتقل المعرض بعد ذلك إلى أولى استعمالات الورق في سوريا، حيث يبرز مخطوط سرياني أثري يعود للقرن الخامس الميلادي، ويتضمن نصائح للإنسان الراهب.
وحول أهداف المعرض، أوضحت ريما خوام، أمين عام المتحف الوطني بدمشق، أن المعرض يهدف بالدرجة الأولى إلى التعريف بتاريخ الكتابة في سوريا، وذلك بالتزامن مع يوم التراث العالمي. وأضافت خوام في حديث للجزيرة نت أن المعرض يحمل أهمية خاصة لإدارة المتحف، خاصة في ظل استمرار إغلاق أقسام الشرق القديم وعصور ما قبل التاريخ والقسم الإسلامي، مما يجعله فرصة فريدة لتعريف الجمهور السوري والزوار الأجانب والسياح بأهم القطع الأثرية المحفوظة.
وأشارت خوام إلى أن المتحف الوطني يضم كنوزاً أثرية مخبأة لا تتاح رؤيتها للجمهور بشكل دائم، مؤكدة أن المعرض يشكل مناسبة مهمة لتعريف مختلف الشرائح، من كبار وصغار وباحثين مختصين، إضافة إلى الدبلوماسيين والزوار الراغبين بالتعرف على الإرث التاريخي والثقافي للحضارات السورية.
وتواكب المعروضات المسار التاريخي لتطور الكتابة منذ عصور ما قبل التاريخ، حيث جرى اختيار قطع توثق المشاهد التصويرية الأولى في سوريا، والتي تعود إلى العصر الحجري الحديث في الألف العاشر قبل الميلاد. ثم تنتقل القطع بالزائر إلى بدايات الكتابة في الألف الرابع قبل الميلاد، وصولاً إلى مجموعة من الرقم المسمارية المكتشفة في مواقع أثرية تابعة للشرق القديم بين الألفين الثالث والثاني قبل الميلاد، مثل إيبلا وماري وأوغاريت.
وتلفت خوام إلى أن المعرض يشهد للمرة الأولى منذ 15 عاماً عرض الأبجدية الأوغاريتية السورية الأولى، التي تصفها بأنها مصدر فخر للسوريين وواحدة من أمهات القطع الأثرية السورية. كما يُعرض لأول مرة أول نوتة موسيقية في العالم، وهي مكتشفة أيضاً في أوغاريت وتعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد، معتبرة أن إتاحة هذه القطع أمام الجمهور تمثل فرصة استثنائية لاكتشافها.
وتؤكد خوام أن المعروضات اختيرت بعناية لتقديم صورة شاملة عن تطور اللغات التي عرفتها سوريا عبر آلاف السنين، بدءاً من الرموز الأولى واللغات القديمة، مروراً باللغات السامية، وصولاً إلى العربية، بما يعكس عمق الامتداد الحضاري للبلاد وتنوعها الثقافي.
من جانبه، أوضح علي حبيب، مدير المعرض، أن الرسالة الأساسية من تنظيمه تتمثل في تعريف الجمهور السوري بأهمية الحضارة السورية عبر العصور، انطلاقاً من كون هذه الأرض شهدت قيام وتعاقب أقدم الحضارات حول العالم. وأشار إلى أن كل حضارة مرت على سوريا تركت تأثيرها، غير أن الإنسان السوري حافظ على بصمته الخاصة وهويته الثقافية عبر مختلف المراحل التاريخية، وعلى لغته الأصلية حتى في الفترات التي دخلت فيها حضارات أجنبية. وضرب مثالاً على ذلك بأن الآرامية ظلت اللغة الأساسية خلال المرحلة الكلاسيكية رغم حضور اليونانية في المراسلات الدولية، كما بقي استخدام اللاتينية محدوداً في العهد الروماني، مما يعكس استمرارية الهوية السورية وعدم ذوبانها داخل الحضارات الوافدة.
ولفت حبيب إلى أن القيمة التاريخية للقطع المعروضة لا تكمن فقط في قدمها، بل في كونها شاهداً على حضارات سورية فريدة وغير مكررة في أماكن أخرى من العالم، مستشهداً بحضارات مثل تدمر وأوغاريت وما خلّفته من شواهد مميزة لا نظير لها. وأضاف أن المعرض يسعى، من خلال التسلسل التاريخي للمعارضات، إلى إيصال فكرة مفادها أن تطور الكتابة مر بمراحل متعددة وعلى فترات زمنية طويلة، وهو ما يتيح للزائر فهم المسار الحضاري الذي أوصل إلى الأشكال الكتابية المعاصرة، مع بقاء الهوية السورية حاضرة في جميع تلك المراحل.
كما أوضح حبيب أن المعرض يعرض تطور الكتابة من الصورة إلى نصف الصورة إلى الرمز ثم إلى الحرف، في دلالة على عمق التجربة الحضارية للبلاد، ويؤكد أن التركيز لا يجب أن ينصب على القطع الأثرية وحدها، وإنما على الإنسان السوري نفسه بوصفه صانع هذا الإرث. واعتبر حبيب أن سوريا، رغم ما تمر به من فترات تراجع، تبقى أرضاً قادرة على التجدد والعودة، مشيراً إلى أن المعرض يحاول تسليط الضوء على هذه الفكرة، ويهدف إلى ترسيخ الوعي بأهمية التراث السوري وبث قدر من الأمل بأن المستقبل القادم يمكن أن يكون أفضل.
سوريا محلي
ثقافة
سياسة
سوريا محلي