الصناعة في حلب: تحديات هيكلية ومنافسة "غير عادلة" تعرقل التعافي والنمو


هذا الخبر بعنوان "الصناعة في حلب.. أزمة مستمرة بين التحديات الهيكلية والمنافسة “غير العادلة”" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
ما زال القطاع الصناعي في حلب، الذي يُعدّ قلب الصناعة السورية وعاصمتها الاقتصادية، يرزح تحت وطأة عقبات متراكمة تعيق تعافيه وتمنعه من لعب دوره الفعّال في تحسين الواقع الاقتصادي والمعيشي. المحافظة التي كانت تساهم بنحو ربع الناتج الاقتصادي السوري قبل عام 2011، تواجه اليوم مشكلات متعددة تعيق عجلة الإنتاج، بدءاً من نقص الخدمات الأساسية وصولاً إلى التحديات القانونية والتنافسية "غير العادلة". هذا الوضع يستدعي تدخلاً حكومياً عاجلاً لدفع الصناعة السورية نحو التعافي والنمو.
وبحسب تقرير صادر عن وزارة الاقتصاد والصناعة، حصلت صحيفة "الثورة السورية" على نسخة منه، بلغ عدد المنشآت العاملة في حلب 18,286 منشأة، منها 12,335 منشأة حرفية و5,951 صناعية. في المقابل، توجد 16,151 منشأة متوقفة عن العمل، تتوزع بين 9,966 حرفية و6,185 صناعية.
يؤكد تيسير دركلت، رئيس اللجنة الصناعية في منطقة العرقوب وعضو غرفة صناعة حلب، أن الصناعة والصناعيين بحاجة ماسة إلى بيئة ملائمة للمضي قدماً وإعادة العجلة الصناعية للدوران. وفي حديثه لصحيفة "الثورة السورية"، أوضح دركلت أن الطاقة تأتي في مقدمة المقومات اللازمة لإحياء الصناعة، مشيراً إلى أن ارتفاع تكاليف الطاقة الكهربائية لتشغيل المعامل يشكل عبئاً كبيراً على الصناعيين.
كما أشار دركلت إلى أن وجود بيئة تشريعية مناسبة، وحماية للصناعة الوطنية والمنتج المحلي، وفرض واقع اقتصادي يرفع من القدرة الشرائية للمواطن، هي عوامل ضرورية لاستقرار القطاع الصناعي. واعتبر أن غياب هذه المقومات يجعل المنتج المحلي "باهظ الثمن" بالنسبة لشريحة واسعة من المواطنين، مما يضعف قدرة الصناعات المحلية على المنافسة ويحد من تأثيرها الاقتصادي.
حول الواقع والمشكلات التي يواجهها القطاع الصناعي حالياً، يؤكد دركلت أن أبرز الصعوبات تكمن في ضعف القدرة الشرائية لدى المواطنين، إضافة إلى المنافسة "غير العادلة" للبضائع الأجنبية منخفضة الجودة. هذه البضائع تدخل الأسواق السورية برسوم جمركية شبه صفرية، على عكس مطالب الصناعيين بتصفير جمركة المواد الأولية التي تعتمد عليها الصناعة المحلية. كما تشكل "البضائع المهربة التي غزت الأسواق" عبئاً إضافياً على المنتج الوطني.
وبحسب دركلت، أصبحت هذه البضائع، رغم رداءة جودتها وعدم ملاءمتها للاستهلاك المحلي، منافساً قوياً للمنتج المحلي الذي يمتاز بجودة مقبولة إلى جيدة. وأعرب عن أسفه لاقتصاد تنافسها على الجانب السعري فقط، ما يجعل أي مقارنة بينها وبين المنتج الوطني من حيث الجودة إجحافاً للصناعة المحلية، ويضع المنتج الوطني في موقف ضعف أمام المستهلك.
تفضل شريحة واسعة من سكان حلب شراء الملابس من أسواق البالة لأسباب عدة، أبرزها ما يُعتقد من مصدرها الأوروبي وسعرها المنخفض بما يتناسب مع قدرتهم الشرائية، إضافة إلى اختلاف "الموديلات المحروفة" عن تلك المحلية. أصبحت هذه الأسواق وجهة رئيسية لكثيرين، خصوصاً سكان القسم الشرقي من المدينة، الذي يُعدّ الطبقة الأكثر فقراً. ويشير دركلت إلى أن هذا النمط من الاستهلاك ينطبق أيضاً على مختلف القطاعات، بما فيها الغذائية والنسيجية وغيرها.
لا تقتصر مشكلات القطاع الصناعي على منافسة البضائع الأجنبية، إذ يبرز أيضاً القانون الضريبي القديم الذي ما زال يطبّق على الصناعات المحلية، رغم صدور قانون ضريبي تنظيمي جديد عصري وعادل، إلا أنه ما زال خارج التنفيذ. إلى جانب ذلك، تمثل محدودية التصدير تحدياً رئيساً.
ويقول دركلت: "الحكومة استمعت لمطالب ومقترحات الصناعيين، لكن تلك المقترحات بقيت داخل قاعات الاجتماعات، وتم رفضها أو إهمالها بحجج وذرائع شتى، أو وُعدت بحلول جذرية لتحسين القطاع الصناعي، لكن هذه الوعود إن لم تبصر النور فستبقى في نطاق الكلام"، داعياً لتحويل تلك الوعود إلى وقائع وأنظمة وقوانين تساعد البلد واليد العاملة فيها. وتواصلت "الثورة السورية" مع المكتب الإعلامي في غرفة صناعة حلب للوقوف على واقع الصناعة ومعوقاتها وإمكانية إيجاد حلول عاجلة، إلا أنها لم تتلق رداً على الأسئلة حتى لحظة إعداد هذا التقرير.
في حزيران 2025، فتحت وزارة الاقتصاد والصناعة باب الاكتتاب على المقاسم في المدينة الصناعية بالشيخ نجار في حلب، وحددت أسعارها بـ 35 دولاراً للمتر المربع عند الدفع الفوري، أو 41 دولاراً للمتر المربع في حال التقسيط على خمس سنوات (20 قسطاً ربع سنوي). واعتبر صناعيون أن هذه الخطوة تعد إصلاحاً مهماً على المدى القصير، مشيرين إلى أن العمل وإتاحة الفرصة لتجهيز مصانع جديدة لا يعالج جذرياً المشكلة، خاصة مع وجود مئات المعامل التي تنتظر حل العديد من العقبات التي تعيق إنتاجيتها.
ويقول الصناعي عبد الرحمن باكير لصحيفة "الثورة السورية": "دعم الحكومة لإقامة المعارض الداخلية، وتشجيع مشاركة الصناعيين وعرض منتجاتهم في المعارض الخارجية، يسهم في استعادة الأسواق التصديرية التي فقدها الصناعيون منذ 15 عاماً، كما يتيح الاستفادة من التوصيات التي تُطرح في المؤتمرات والملتقيات الصناعية، لأنها تعكس الواقع الاقتصادي الحقيقي في سوريا". ويضيف باكير: "يدرك الصناعيون أن الحكومة الجديدة استلمت بلداً منهكاً ويحتاج إلى كل شيء، بدءاً بالقوانين وانتهاءً بالاهتمام بالمواطن، لكن الأمر يتطلب تدخلاً سريعاً وحلولاً جوهرية لإنعاش القطاع الصناعي".
يتفق العديد من التجار والصناعيين على أن تشغيل المصانع في حلب سيخلق فرص عمل واسعة، إذ تحتاج هذه المصانع إلى يد عاملة كبيرة، وتوجد شريحة واسعة من الباحثين عن عمل، لا سيما في المناطق الشرقية من المدينة، التي تشكل خزاناً بشرياً للعمل والبناء. ويواجه سكان حلب حالياً تحدياً أساسياً يتمثل في إيجاد وظائف بدخل مناسب، وهي نفس المشكلة التي تعيق عودة السوريين المقيمين خارج البلاد، إذ فضل مئات منهم، خاصة في تركيا، عدم العودة نتيجة ندرة العمل وانخفاض الأجور.
ويقول الصناعي السوري المغترب في تركيا محمود نيرباني: "الانتقال إلى سوريا في الوقت الراهن يمثل مخاطرة، والوضع يحتاج إلى إصلاح على مختلف الأصعدة، خصوصاً على المستوى الخدمي"، مشيراً إلى أن كثيراً من الصناعيين والتجار السوريين في تركيا ينتظرون تحسناً ملموساً في الواقع الصناعي والتجاري في حلب قبل التفكير بالعودة. ويضيف نيرباني لصحيفة "الثورة السورية": "حتى لو كانت التكاليف مماثلة لما ندفعه في تركيا، فإن صافي الأرباح لن يكون كذلك، وقد ينخفض إلى النصف وفق دراسات أولية"، موضحاً أن أبرز العقبات أمام عودتهم تكمن في محدودية الخدمات وارتفاع تكاليف الإنتاج مقارنة بالأرباح المتوقعة.
من جهته، يرى الصناعي المغترب في تركيا، مصطفى قطّان، أن "تركيا الآن أكثر استقراراً في مجال التصدير"، مؤكداً أن أسواق التصدير تلعب دوراً أساسياً في استدامة الصناعة والشركات. ويضيف أن الواقع الصناعي في سوريا يحتاج إلى قوانين ناظمة تضبط الرسوم والمنتجات وتحدد المعايير الخاصة بكل فئة يُراد تصديرها. ويشير قطّان إلى أن سن مثل هذه القوانين سيشكل محفّزاً للصناعيين المقيمين خارج البلاد، لا سيما في مصر وتركيا، مشدداً على أن طمأنة الحكومة وبناء جسور الثقة مع الصناعيين يعد من أهم عوامل إنعاش الصناعة ومن ثم الاقتصاد الوطني. ويضيف أن ضمان استقرار البنى التحتية، وفي مقدمتها الطاقة الكهربائية، إلى جانب ضبط واستقرار سعر الصرف والقوانين الجمركية والمصرفية الناظمة، يمثل ركائز أساسية للنهوض بالقطاع الصناعي والحفاظ على استمراريته، وإعادة دوره الفاعل في الاقتصاد السوري.
تتصدر مدينة الشيخ نجار الصناعية قائمة أكبر المدن الصناعية في سوريا، حيث تمتد على مساحة 4.412 هكتار، وقبل عام 2011، كانت تضم 963 معملاً، إضافة إلى عدد من المناطق الصناعية النشطة المحيطة بها مثل الليرمون وجبرين والراموسة والعرقوب وغيرها. وكانت محافظة حلب قبل عام 2011 تساهم بنحو ربع الناتج الإجمالي الوطني البالغ حوالي 15 مليار دولار، ونصف الصادرات غير النفطية، فضلاً عن مكانتها الريادية على الصعيدين الصناعي والتجاري. يضاف إلى ذلك الإنتاج الزراعي، بما في ذلك القمح والشعير والقطن والزيتون، إضافة إلى أشجار مثمرة مثل اللوزيات والفستق الحلبي.
ووفقاً لتقديرات البنك الدولي، فقد طال الدمار ما بين 67 بالمئة و81 بالمئة من المناطق الصناعية في حلب، في حين تعمل المناطق الصناعية حالياً بما بين 5 بالمئة و10 بالمئة فقط من طاقتها الإنتاجية الكاملة.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
ثقافة