الليرة السورية تتراجع أمام الدولار: تحليل الأسباب وتوقعات الخبراء لمستقبل الاقتصاد


هذا الخبر بعنوان "تراجع طفيف ومستمر لليرة السورية أمام الدولار.. الأسباب والمآلات" نشر أولاً على موقع halabtodaytv وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد الليرة السورية تراجعاً ملحوظاً في سعر صرفها مقابل الدولار الأمريكي خلال الأيام الماضية، حيث اقتربت من مستوى 137 ليرة للدولار الواحد. يثير هذا التراجع مخاوف متزايدة بشأن استمرار تعدد أسعار الصرف وغياب الوضوح حول السياسة النقدية المستقبلية. وقد تزامن هذا الانخفاض مع ارتفاع كبير في أسعار السلع والبضائع، لا سيما الغذائية منها، مما يزيد من معاناة المواطنين الذين يعانون أصلاً من ضعف القدرة الشرائية. يتفاوت خبراء الاقتصاد في تفسير هذه الظاهرة وتوقعاتها، فمنهم من يرى التراجع أمراً طبيعياً في سياق المرحلة الانتقالية، بينما يرى آخرون أن سعر الصرف الحالي "غير حقيقي" وأن قيمته العادلة قد تكون أعلى بكثير.
في سياق الجدل حول حقيقة تراجع الليرة، يرى الخبير الاقتصادي السوري أدهم قضيماتي، في تصريح خاص لـ حلب اليوم، أن انخفاض سعر الصرف "طبيعي في هذه المرحلة الانتقالية". ويعزو قضيماتي ذلك إلى عملية استبدال العملة، وإعادة بناء الاقتصاد، ومرحلة التعايش بين العملة القديمة والجديدة، بالإضافة إلى ضعف دوران عجلة الإنتاج المحلي الذي يجعل المواطن السوري يعتمد بشكل كبير على المنتجات المستوردة. ووفقاً لهذا التفسير، يُعد الانخفاض ظاهرة مؤقتة ناتجة عن اضطرابات التحول من نظام نقدي إلى آخر.
على النقيض، يؤكد الدكتور فراس شعبو أن سعر الصرف المتداول، سواء الرسمي أو السوقي، "غير حقيقي". ويقدر شعبو أن القيمة الحقيقية لليرة السورية قد تتراوح بين 200 و 220 أو حتى 250 ليرة للدولار الواحد. ويستند في رأيه هذا إلى التباين الواضح بين الارتفاع الكبير في الأسعار وثبات سعر الصرف نسبياً، مما يشير إلى وجود "خلل" أو "مشكلة عميقة" في آليات التسعير والرقابة الاقتصادية.
وعن أسباب تراجع الليرة وارتفاع الأسعار، يعزو أدهم قضيماتي انخفاض قيمة الليرة إلى اعتماد سوريا الكبير على الاستيراد لتأمين السلع الأساسية. هذا الاعتماد يرفع الطلب على الدولار، مما يؤدي إلى زيادة المعروض من الليرة السورية وبالتالي تذبذب سعرها. فالطلب المرتفع على العملة الأجنبية، اللازم لاستيراد الغذاء والوقود والمواد الأولية، مقترناً بضعف الإنتاج المحلي وقلة الصادرات، يمارس ضغطاً كبيراً على العملة المحلية.
بالمقابل، يرى الدكتور فراس شعبو أن سعر الصرف يتم التحكم به حالياً من خلال "السيولة فقط". ويوضح أن الدولة تفرض قيوداً على قدرة الأفراد على سحب أموالهم من البنوك، إما لأسباب تتعلق بالسيولة أو بهدف السيطرة على السوق. ويحذر من أنه في حال رفعت الدولة هذه القيود وسمحت بسحب الودائع بحرية، فإن قيمة الليرة ستشهد انهياراً كبيراً.
ويضيف شعبو أن "السوق سيفرض نفسه في النهاية، مهما حاولت الدول التحكم بسعر الصرف". فالتجار لا يعتمدون على سعر الصرف الرسمي لتحديد أسعار سلعهم، بل يستندون إلى تكاليف الإنتاج الحقيقية التي تشمل الاستيراد، النقل، الجمارك، الوقود، والأيدي العاملة، وهي تكاليف تُحسب بناءً على سعر صرف أقرب إلى الواقع. وهذا ما يفسر ارتفاع الأسعار الملحوظ رغم استقرار سعر الصرف "الرسمي" نسبياً.
أما بخصوص ارتفاع أسعار السلع، فيعزوه قضيماتي إلى عاملين رئيسيين: الأول هو تذبذب سعر الصرف، والثاني هو ارتفاع تكاليف النقل والاستيراد نتيجة للحروب الدائرة في المنطقة. هذه الحروب تؤثر سلباً على طرق التجارة، وتزيد من تكاليف التأمين على البضائع وأسعار الشحن. ورغم أن هذين العاملين خارجيان جزئياً، إلا أنهما يتفاعلان مع ضعف الإنتاج المحلي ليُحدثا هذا الارتفاع.
وفيما يتعلق بالتضخم، يرى الدكتور فراس شعبو أن "التضخم في سوريا هائل جداً ولا تستطيع الدولة السيطرة عليه"، مؤكداً أن الأسعار تتحدد بناءً على القيمة الحقيقية للمنتجات والمستوردات، وليس وفقاً لسعر الصرف المعلن. ويتساءل شعبو عن الأسباب الكامنة وراء هذا التضخم المبالغ فيه، مستفسراً: "هل هو نتيجة فساد؟ هل هو نتيجة ضعف رقابي؟ هل هو نتيجة خلل هيكلي؟" ويقر بأن "الأمور متشعبة كثيراً"، وأنه لا توجد إجابة واحدة واضحة حتى الآن.
ويتوقع شعبو أن تشهد الليرة المزيد من التذبذب نحو الانخفاض خلال الأشهر القادمة، وذلك مع استمرار الغموض الذي يكتنف السياسة النقدية وترقب السوق لاستقرار العملة الجديدة. ويشدد على أن "سعر الصرف الحالي لا يعبر عن الاقتصاد السوري ولا يعبر عن الواقع السوري"، مؤكداً أنه يجب أن يكون أعلى من السعر المعلن. ويستدل على ذلك بالمستوى المرتفع للأسعار، مما يشير إلى أن الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الحقيقي (الموازي) قد تتسع مجدداً، الأمر الذي قد يؤدي إلى نشوء سوق سوداء ومضاربات.
يُثير تراجع الليرة السورية المستمر مقابل الدولار وارتفاع الأسعار قلقاً واسعاً في أوساط السوريين، خصوصاً بعد فترة من التفاؤل باستقرار العملة عقب إجراءات استبدال العملة وسوق دمشق للعملات والذهب. ومع ذلك، لا يزال التراجع الحالي في حدود ضيقة نسبياً حتى هذه اللحظة.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد