دمشق تشهد انقسامًا مجتمعيًا عميقًا: دور السلطة في تأجيج الاستقطاب بين باب توما والعباسيين


هذا الخبر بعنوان "بين باب توما والعباسيين.. تعميق الانقسام في بلد منهك" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يرى الكاتب محمد محمود هرشو أن المشهد الأخير الذي شهدته دمشق، والذي تمثل في اعتصام باب توما واعتصام ساحة العباسيين، لا يمكن اختزاله في مجرد تباين طبيعي في وجهات النظر. بل يتجاوز الأمر ذلك ليصبح انقسامًا مجتمعيًا متجذرًا، تعمل السلطة على تغذيته وإعادة إنتاجه في وقت يمر فيه السوريون بواحدة من أشد الأزمات التي عرفوها.
في منطقة باب توما، تجلى مشهدٌ يعكس رؤية لسوريا يطمح إليها الكثيرون: تجمع سلمي، ومطالب صريحة بدولة تحكمها سيادة القانون، ورغبة في بناء فضاء عام يستوعب الجميع دون إقصاء. لقد كان خطابًا مدنيًا يعبر عن تطلعات مجتمع يسعى للخروج من دائرة الصراع نحو استقرار مبني على الحقوق.
على النقيض تمامًا، عكس اعتصام ساحة العباسيين خطابًا مغايرًا، اتسم بالحدة والانغلاق، وقدم تعريفًا ضيقًا للمجتمع، وطرح تصورات إقصائية لطبيعة الدولة ووظيفتها. هذا التباين لا يبدو وليد الصدفة، بل هو نتاج مسار سياسي يتشكل ببطء وتدرج.
إن الإشكالية لا تقتصر على مجرد وجود هذا الانقسام، بل تتجلى في الدور المحوري الذي تلعبه السلطة في تأجيجه. فبدلاً من أن تؤدي دورًا موازنًا وضامنًا لوحدة الفضاء العام، تظهر السلطة كطرف يدفع نحو ترسيخ الاستقطاب، سواء من خلال إصدار قرارات تثير الجدل، أو عبر ترك المجال لخطاب واحد يتوسع دون قيود.
لقد كانت قضية الكحول مثالاً واضحًا يكشف هذا النمط. فقرار يمس قطاعًا واسعًا من المجتمع يُطرح بأسلوب يثير التوتر، ثم يُترك ليتفاعل في الشارع، قبل أن تعود السلطة لتتخذ موقع الحكم بين الأطراف المتنازعة. عمليًا، يتم خلق الانقسام ثم إدارته، بدلًا من العمل على احتوائه.
بهذا المنطق، لا تبدو السلطة بمعزل عن المشهد، بل هي في صميمه. فهي لا تكتفي بالتعامل مع الانقسام القائم، بل تسهم في إنتاجه وتعميقه، من خلال إعادة تشكيل المجال العام على أسس متقابلة يسهل عليها التحكم بها.
إن خطورة هذا المسار لا تقتصر على اللحظة الراهنة فحسب، بل تمتد إلى ما يمكن أن يفضي إليه في المستقبل. فالمجتمع السوري، الذي يعاني أصلاً من وطأة الأزمات الاقتصادية والانهيار المعيشي وتآكل المؤسسات، لا يملك القدرة على تحمل المزيد من التفكك. ومع ذلك، يُدفع به نحو استقطاب يهدد بتحويل الاختلافات إلى انقسام دائم. وتُظهر التجارب الحديثة أن مثل هذه المسارات تبدأ بخلافات تبدو محدودة، لكنها سرعان ما تتحول إلى هياكل مستقرة يصعب تفكيكها، وتزداد رسوخًا وتأثيرًا عندما تتشابك مع عوامل الفقر والخوف والبحث عن اليقين.
بين باب توما والعباسيين، لا تقتصر المسألة على مجرد موقعين جغرافيين، بل تتعلق باتجاهين مختلفين لمستقبل سوريا. لكن الجانب الأكثر خطورة يكمن في أن هذا التوجه لا يتشكل بفعل المجتمع وحده، بل بدفع من سلطة تبدو أقرب إلى إدارة الانقسام وتعميقه بدلًا من منعه، وذلك في بلد لم يعد يحتمل أي انقسام إضافي.
سياسة
سوريا محلي
سياسة
سوريا محلي