يشير القاضي حسين حمادة إلى أن الهويات الفرعية، التي تشمل أشكالاً محددة من الانتماء الاجتماعي كالديني والطائفي والعرقي والمذهبي والقبلي، تمثل في جوهرها تعبيراً عن الأصالة والهوية الفردية والجماعية. إلا أن هذه الهويات قد تتحول إلى عامل مدمر و"قاتل" عندما تصبح المعيار الأوحد لتقييم الآخرين، وتُستغل لتبرير الإقصاء أو العنف أو الهيمنة على مكونات المجتمع الأخرى. في هذه الحالة، يختفي أي مجال للتعايش المشترك، وتتحول الهوية من جسر للتفاهم إلى أداة للصراع والتفرقة.
أسباب تحول الهويات الفرعية إلى عامل مدمر
تتعدد الأسباب التي تدفع الهويات الفرعية نحو مسار التدمير، ومن أبرزها:
- الاستقطاب السياسي: عندما تُستغل الهويات كأداة لتقسيم المجتمع بهدف تحقيق مكاسب سياسية أو بسط النفوذ، يتحول الانتماء الطبيعي للأفراد إلى سلاح سياسي يُستخدم لشق الصفوف.
- الأزمات الاقتصادية والاجتماعية: تدفع ظواهر مثل الفقر والبطالة والتمييز الأفراد للبحث عن الأمان والانتماء ضمن جماعاتهم الفرعية، مما يؤدي إلى تجذر هذه الهويات بشكل متطرف وتعصب.
- التعليم والموروث الثقافي: يساهم غياب التربية على قيم المواطنة والتعددية في تعزيز نظرة ضيقة للهوية، ويكرس مفهوم التفرقة بين "نحن" و"هم"، مما يغذي الانقسامات.
- وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي: تلعب هذه الوسائل دوراً خطيراً في تضخيم الصور النمطية والتحريض على الخوف والكراهية، الأمر الذي يزيد من حدة الانقسامات المجتمعية ويعمق الشرخ بين الفئات.
المخاطر المترتبة على الهويات الفرعية المدمرة
إن تحول الهويات الفرعية إلى عامل تدميري يحمل في طياته مخاطر جسيمة على المجتمع، منها:
- تفتيت النسيج الاجتماعي: يتحول المجتمع من كيان موحد ومتماسك إلى مجموعة من الجماعات المتناحرة، مما يهدد وحدته واستقراره.
- انتشار العنف والفتن: تتحول الخلافات البسيطة إلى صراعات مسلحة أو نزاعات دائمة، وهو ما شهدته مناطق متعددة من الشرق الأوسط، مخلفة دماراً بشرياً ومادياً.
- شل التنمية والتقدم: يعيق التركيز على الانقسامات الفرعية تنفيذ المشاريع الوطنية الكبرى ويشل عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، مما يؤثر سلباً على مستقبل الأجيال.
- تهديد الهوية الوطنية: عندما تتفوق الهويات الفرعية على الهوية الوطنية الجامعة، تفقد الدولة تماسكها وتماسك مواطنيها، ويصبح الانفصال أو التقسيم احتمالاً وارداً يهدد وحدة الأوطان.
سبل مواجهة الهويات الفرعية المدمرة
لمواجهة هذا الخطر، يقترح المقال مجموعة من الحلول الفعالة:
- تعزيز الهوية الوطنية الجامعة: يجب التركيز على القواسم المشتركة والرموز الوطنية التي توحد جميع مكونات المجتمع، وتجاوز الانتماءات الضيقة.
- التربية على التسامح والتعددية: غرس قيم احترام الآخر والانفتاح على الثقافات المختلفة في نفوس الأجيال منذ الصغر، لبناء مجتمع متقبل للتنوع.
- المساواة في الحقوق والواجبات: العمل على إزالة كافة أشكال التمييز الاقتصادي والاجتماعي التي تعد بيئة خصبة لتغذية الانقسامات وتعميقها.
- الإعلام المسؤول: يقع على عاتق وسائل الإعلام مسؤولية نشر رسائل الوحدة والتعايش، والحد من الأخبار التحريضية أو المضللة التي تزيد من حدة التوترات.
- الحوار المجتمعي المستمر: تشجيع اللقاءات والحوارات البناءة بين مختلف فئات المجتمع، بهدف بناء الثقة المتبادلة وتقليل الخوف من الآخر المختلف.
الخلاصة
في الختام، يؤكد المقال أن الهويات الفرعية ليست خطراً في حد ذاتها، بل هي جزء لا يتجزأ من ثراء التنوع البشري. لكن الخطر يكمن في تحولها إلى "هويات قاتلة" تصبح سلاحاً مدمراً يقوض أسس المجتمعات ويهزم مشروع الدولة الواحدة المتماسكة. إن التصدي لهذا التحدي يتطلب وعياً جماعياً وجهوداً متواصلة لتعزيز الانتماء المشترك واحترام الآخر، وتحويل الانتماء من مجرد أداة للتمييز إلى جسر للتلاقي والتعاون بين جميع الأفراد. (المصدر: أخبار سوريا الوطن - صفحة الكاتب)