مضيق هرمز: معركة الروايات الإعلامية العالمية وتأثيرها على تشكيل الواقع الجيوسياسي


هذا الخبر بعنوان "صراع البوارج (الإعلامية) في مضيق هرمز!" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
ترى سلوى دبوق أن وسائل الإعلام العالمية لا تكتفي بنقل خبر إغلاق مضيق هرمز كحادثة ملاحية عابرة، بل تتعامل معه كـ«فعل تداولي» يهدف إلى إعادة تشكيل الواقع الجيوسياسي وتوجيه الرأي العام الدولي. ففي غرف التحرير، من نيويورك إلى برلين، ومن الدوحة إلى باريس، يختار الصحافيون كلماتهم بدقة بالغة، أشبه بدقة العمليات الجراحية. والمثير للاهتمام أن كل وسيلة إعلامية تبنت زاوية مختلفة تماماً لسرد الأزمة ذاتها. فما هي هذه الروايات؟ ولماذا تم اختيارها بهذه الطريقة بالذات؟
لم تكتفِ وكالة «بلومبيرغ» بإبلاغ متابعيها بما جرى، بل سعت إلى إشعارهم بالتهديد الشخصي، مركزةً على أرقام محددة: ربع تجارة النفط العالمية وخمس إمدادات الغاز الطبيعي المسال تعبر هذا الممر الحيوي. يُعرف هذا في علم التداولية بـ«فعل التخويف العقلاني»، حيث يحل منطق الأرقام محل الانفعال المباشر، مما يجعل الخوف أكثر إقناعاً من أي صورة صادمة. لم يكن الهدف مجرد نقل الخبر، بل دفع العالم إلى استنتاج مفاده أن الصمت خسارة، وأن التحرك ضرورة.
في المقابل، فضّلت «سي. إن. إن بالعربية» الابتعاد عن الأرقام والتوجه مباشرة إلى الجانب الإنساني، واصفةً المضيق بأنه «شريان حياة لمئة مليون إنسان» يعتمدون عليه في تأمين ما بين 80% و98% من غذائهم. فدولة قطر تستورد 98% من غذائها، والإمارات 90%، والمملكة العربية السعودية أكثر من 80%. وعندما يتحول المضيق من قضية أسعار إلى قضية خبز، تتغير معايير الشرعية، ويصبح أي تدخل عسكري مبرراً كدفاع عن حياة الناس لا عن أسعار الوقود. هذا ما تُطلق عليه التداولية «أنسنة الأزمة»، وهو أسلوب إقناع بالغ الفعالية، إذ يجعل أي اعتراض يبدو وكأنه موقف غير أخلاقي.
من جهتها، اختارت «فرانس 24» زاوية ثالثة تركز على إبراز الانقسام داخل المعسكر الغربي. فقد نقلت القناة الفرنسية التباين الواضح بين رغبة إسرائيل في إسقاط النظام الإيراني بأي ثمن، وبين حسابات ترامب المرتبطة بالناخب وتكلفة الوقود. أما الأوروبيون، فقد اختاروا موقفاً احترازياً، معلنين: «لن نشارك في تأمين الملاحة ما لم يتوقف القصف». يُعرف هذا بـ«فعل الاشتراط»، حيث لا يوجد رفض صريح ولا قبول، بل تعليق للموقف على شرط محدد. ويظهر هذا الخطاب أوروبا كصوت «عقلاني حكيم» في سياق يبدو مضطرباً ومندفعاً.
أرسلت قناة «الجزيرة» مراسليها إلى طوكيو وبكين وكراتشي لتقديم صور حية تظهر محطات وقود شبه فارغة في الصين واليابان مع ارتفاع ملحوظ في الأسعار، وارتفاعاً حاداً في تكلفة الغذاء في باكستان. كما أوردت القناة بيانات تشير إلى وجود 3200 سفينة عالقة في مضيق هرمز، وتراجع حركة العبور بنسبة 97%. يطلق علماء التداولية على هذا الأسلوب «استراتيجية الشهادة البصرية»، أي عدم إخبار الناس بما يجب أن يفكروا فيه، بل إظهار من يتألم. والمعنى الأعمق هنا واضح: عندما يتضرر الياباني والصيني والباكستاني من حرب لا تعنيهم، تسقط فكرة أن الأزمة مجرد نزاع إقليمي محدود.
أما «دويتشه فيله» الألمانية، فقد اتخذت منحى أبعد، مختارةً أصعب رهان إعلامي: التحذير مما لم يحدث بعد. أشارت القناة إلى أن نحو 30% من الأسمدة العالمية تمر عبر مضيق هرمز، وأن تعطيل هذا المسار سيؤدي إلى تراجع الإنتاج الزراعي في أفريقيا وجنوب آسيا، وارتفاع أسعار الحبوب والذرة، وبالتالي تضخم أسعار الغذاء. وستكون الدول الأكثر هشاشة، مثل الصومال وباكستان وكينيا وبنغلاديش، هي أول المتضررين بسبب افتقارها إلى المخزونات الاستراتيجية. يُعرف هذا بـ«فعل التحذير المؤجل»، أي نقل الخطر قبل وقوعه وربط الحاضر بما قد يصبح واقعاً قريباً. ورغم اختلاف الأسلوب، تشترك هذه الوسيلة مع غيرها في استراتيجية توسيع دائرة المتضررين، بحيث لا يبقى أحد بعيداً بما يكفي ليعتقد أن الأزمة لا تعنيه.
وفي السياق ذاته، انفردت «دويتشه فيله» بإبراز البعد البيئي، الذي تجاهلته وسائل إعلام أخرى إلى حد كبير. فمضيق هرمز ليس مجرد ممر نفطي، بل هو نظام بيئي هش يضم شعاباً مرجانية وثروة سمكية تعتمد عليها مجتمعات بأكملها. وما يُعرف بـ«المطر الأسود» – الناتج عن احتراق الناقلات أو قصف المنشآت النفطية – لا يمثل مجرد حادث عرضي، بل تهديداً بيئياً طويل الأمد. أي استهداف لناقلة أو منشأة قد يطلق كميات هائلة من النفط في مياه الخليج، التي تتميز بدورة مائية بطيئة، مما يجعل التعافي من التلوث عملية قد تستغرق عقوداً. لن تقتصر النتائج على البيئة، بل ستمتد إلى الاقتصاد الغذائي، حيث ستتضرر مصائد الأسماك التي تغذي ملايين الأسر على سواحل إيران والدول العربية والهند. وهنا تظهر مفارقة تداولية لافتة: عندما تتحدث «دويتشه فيله» عن البيئة، فإنها تمارس «فعل التذكير بالعواقب الدائمة» في مواجهة خطاب القوة العسكرية المؤقتة. الرسالة الضمنية بسيطة وقاسية: الحروب تنتهي، لكن آثارها البيئية تبقى. هذا الخطاب موجه بوضوح إلى الرأي العام الأوروبي الحساس تجاه القضايا البيئية، ليحول الأزمة من صراع نفوذ إلى تهديد يمس الكوكب بأسره.
في خضم هذا الضجيج الإعلامي، تبرز وكالة «شينخوا» الصينية لتقدم «تداولية مضادة» تقلب بها الطاولة على الرواية الغربية برمتها. فمن خلال استراتيجية كلامية تعتمد على «تعدد الأصوات» عبر خبراء من الشرق الأوسط وأفريقيا، مارست الوكالة «فعل التعرية» للسياسة الأميركية. فقد صورت إرسال آلاف الجنود الأميركيين إلى الشرق الأوسط كرد فعل قسري على وضع فقدت واشنطن السيطرة عليه. هنا، لم يعد مضيق هرمز في الخطاب الشرقي ساحة لـ«تأمين الملاحة»، بل تحول إلى «مسرح لإدارة العجز»، حيث يُستبدل «فعل التخويف» الغربي بـ«فعل التهوين من جدوى القوة العسكرية» في حسم صراع لم يحقق أهدافه الأصلية.
في الختام، عند جمع هذه التغطيات الإعلامية المتنوعة، يتضح أن القارئ لا يستهلك خبراً واحداً، بل يتعرض لأفعال كلامية مختلفة: «بلومبيرغ» تمارس التخويف، و«فرانس 24» تضع الشروط، و«سي. إن. إن» تُؤنسن الأزمة، و«الجزيرة» تقدم الشهادة البصرية، و«دويتشه فيله» تحذر… بينما تأتي «شينخوا» الصينية لتقويض الروايات وتعرية السياسات. جميع هذه الوسائل تتحدث عن المضيق ذاته، لكن كل واحدة منها تسعى لتحقيق تأثير مختلف على المتلقي. فالقارئ الواعي ليس من يستهلك الخبر فحسب، بل من يفككه ويحلله، ثم يقرر مدى مصداقيته.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة