المحسوبية في سوريا: إرث الماضي الذي أشعل الثورة وهاجس يعيق بناء الدولة


هذا الخبر بعنوان "تعيين الأقارب في سوريا رعب وحساسية الماضي وخوف المستقبل" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يشير الكاتب سلطان الكنج إلى أن احتكار السلطة وتعيين الأقارب، إلى جانب انتشار المحسوبية وشتى أنواع الفساد المالي والإداري الذي كان ينخر مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية وغيرها، كان من بين الأسباب العديدة الاجتماعية والسياسية والطبقية والاقتصادية التي أدت إلى ثورة السوريين. لم تكن ظاهرة تعيين الأقارب مقتصرة على عائلة دون أخرى، بل كان المعيار الأساسي هو الولاء المطلق لعائلة الأسد، حيث كانت مجموعة من العوائل تمثل في واقعها "الدولة العميقة".
مع اتساع هيمنة هذه العوائل على مقدرات الدولة وتراجع الأداء الحكومي في تقديم الخدمات الأساسية في قطاعات حيوية كالصحة والتعليم والبلديات، ومع انطلاق ثورات الربيع العربي في أواخر عام 2010 وأوائل 2011، وجد الشعب السوري مبررات كافية للخروج بثورته في آذار 2011. تحولت أهداف الثورة من المطالبة بالإصلاح السياسي والاقتصادي إلى إسقاط النظام.
كان العديد من الكفاءات يُحرمون من فرص التوظيف التي يستحقونها، إذ كانت الأولوية لأقارب كبار المسؤولين الأمنيين، أو للعائلات المرتبطة اقتصادياً بثروة متزاوجة مع سلطة الأسد. كان صاحب الكفاءة يعود إلى بلدته يائساً، عاجزاً عن الحصول على فرصة تتناسب مع قدراته في بلد تتفشى فيه المحسوبيات.
لقد أدار نظام الأسد المحسوبية بذكاء، فكان يعلن عن مسابقات توظيف تتيح التقديم لمن تتوفر فيهم الشروط، لكن نتائج القبول كانت تُعتمد سراً خلف الأبواب المغلقة، بناءً على العلاقات والمحسوبيات وأحياناً الرشى، لا على الكفاءة أو الخبرة. هذا النمط أدى إلى تشكيل "فوبيا الأقارب" لدى الشعب السوري، التي بدأت تظهر في وعيهم الجمعي وتزيد من مخاوفهم.
تتنامى اليوم مخاوف من استنساخ حالة العوائل "المتنفذة" التي كانت تهيمن على معظم مقدرات البلاد. في عهد بشار الأسد، كانت المحسوبيات الأسدية تُمارس بأساليب ووسائل لم يتعرف عليها الشعب على نطاق واسع. أما اليوم، فيبدو أن الظاهرة تتكرر دون اكتراث بالرأي العام، بل أصبحت معلنة ويُروّج علناً لبعض اللقاءات بين مسؤولين وعوائل باتت "متنفذة" أيضاً.
يشكل هذا الملف حساسية مفرطة لدى السوريين الذين عانوا منه لعقود، حيث كانت سوريا البعث أو سوريا في حقبة الأسد تُدار بالولاء والمحسوبية والرشاوى على حساب المصلحة العامة والمهنية والعقل المؤسساتي. لذا، فإن أي مشهد لتولية الأقارب في سوريا اليوم، سواء شئنا أم أبينا، يشكل هاجساً مخيفاً يذكّر بـ "عقود الظلام" ويفتح الجروح القديمة حول كيفية إدارة دولة الأسد.
حتى من يروج للسياسات الحكومية أو يبرر لبعض القرارات الخاطئة، يعرف في قرارة نفسه أن الولاء والقرابة كانا الذهنية التي تحكم سوريا الاستبداد. ويسمع الشارع السوري اليوم، الثوري وغير الثوري، أصوات التذمر والتململ والتندر بأن هذه الممارسات تذكّرهم بـ "العهد البائد".
المشكلة في تعيين الأقارب الآن لا تقتصر على إضرار العقل المؤسساتي الذي تسعى سوريا الثورة لتطبيقه، بل تشكل استعادة لرمزية حقبة الأسد. لم يعانِ السوريون سابقاً من كبت الحريات والقمع الأمني فحسب، بل من عقلية تقريب وتولية الأقارب والأصدقاء، وهي العقلية التي أفشلت سوريا وجعلتها تحتل مراتب متقدمة في قوائم الفساد.
يجب على سوريا اليوم أن تعي المخاطر الكارثية التي تحول دون خلق دولة مؤسساتية، وتحولها إلى دولة قبيلة بدلاً من جمهورية كانت تفتخر بماضيها قبل وصول البعثيين إلى الحكم، الذين رسّخوا مفاهيم الولاء والقرابة على حساب الكفاءة والجدارة.
إن أي تعيين يحمل شبهة المحاباة يُقرأ اليوم من خلال هذه الذاكرة المتراكمة. قد يرى البعض أن تعيين قريب في موقع ما لا يعني بالضرورة الفساد، خاصة إذا كان يتمتع بالكفاءة والخبرة، وهذا صحيح من حيث المبدأ؛ فالقانون لا يمنع القرابة بحد ذاتها، بل يمنع استغلال المنصب لتحقيق مصالح خاصة.
لكن في الحالة السورية، لا يكفي أن يكون القرار قانونياً، بل يجب أن يكون أخلاقياً ويطمئن الرأي العام. فالثقة بين المواطن والدولة هي الركيزة الأساسية لبناء بلد يريد التخلص من تركة الماضي وبناء سوريا التي يستحقها السوريون الذين عانوا وقُتلوا وشُردوا وقدموا الغالي والنفيس من أجل أن تحكم سوريا بالجدارة والعقل المؤسساتي بدلاً من أساليب القبيلة والإمارة العشائرية.
هناك فارق دقيق بين "الثقة الشخصية والمؤسساتية" في الدول المستقرة، حيث يمكن احتواء حالات تعيين الأقارب ضمن أطر رقابية صارمة تضمن الشفافية وتمنع تضارب المصالح. أما في الحالة السورية، حيث لا تزال مؤسسات الرقابة ضعيفة، فإن أي إشارة إلى تغليب العلاقات الشخصية على المعايير المهنية قد تُفسَّر كمؤشر على عودة أنماط الحكم القديمة بوجوه جديدة، وهذا ما يضاعف حساسية الملف، حتى لو كانت النوايا طيبة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة