سوريا: منع ثلاث منصات إعلامية يثير مخاوف حقوقية ويهدد بتوسيع القيود


هذا الخبر بعنوان "سوريا تمنع ثلاث منصات إعلامية وتلوّح بإجراءات إضافية" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أثار قرار وزارة الإعلام السورية الأخير بمنع ثلاث منصات إعلامية من مزاولة عملها داخل الأراضي السورية موجة من المخاوف في الأوساط الصحفية والحقوقية. وتتعلق هذه المخاوف بمستقبل التعددية الإعلامية وحدود ممارسة العمل الصحفي في ظل المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد. ويأتي هذا القرار في سياق مساعي السلطات لتنظيم القطاع الإعلامي بعد فترة طويلة اتسمت بالقيود الصارمة، إلا أن منصات إعلامية معنية ومراقبين يرون أن هذه الخطوة قد تحمل تداعيات أوسع على المشهد الإعلامي برمته، وفق ما أفاد به سناك سوري-دمشق.
يكتسب هذا التطور أهمية خاصة بالنظر إلى موقع سوريا على مؤشرات حرية الصحافة العالمية، حيث احتلت المرتبة 177 من أصل 180 دولة في أحدث تصنيف، بعد أن كانت في المرتبة 179 عام 2024. ورغم التحسن الطفيف في الترتيب، إلا أن هذا الموقع يبقي سوريا ضمن الدول الأكثر تقييداً للعمل الصحفي على مستوى العالم.
أصدرت وزارة الإعلام تعميماً رسمياً يقضي بمنع عمل موقع ومنصة "هاشتاغ"، بالإضافة إلى منصتي "جسور نيوز" و"الدليل"، داخل الأراضي السورية. وبررت الوزارة قرارها بعدم حصول هذه المنصات على الترخيص الأصولي المطلوب.
وأوضحت الوزارة أن هذا القرار يستند إلى تعاميم سابقة صدرت خلال عام 2025، والتي ألزمت جميع المؤسسات الإعلامية بتجديد تراخيصها أو استصدار تراخيص جديدة ضمن مهل زمنية محددة. كما حذرت الوزارة من أن أي شكل من أشكال التعاون مع هذه المنصات الممنوعة قد يعرض أصحابه للملاحقة القضائية.
من جانبه، صرح عبادة كوجان، معاون وزير الإعلام لشؤون الصحافة والإعلام الحكومي، عبر صفحته الشخصية، بأن المؤسسات المعنية مُنحت مهلاً زمنية متعددة لتسوية أوضاعها القانونية، لكنها لم تستجب. وأضاف كوجان أن القرار لا يقتصر على مسألة عدم الترخيص فحسب، بل يشمل أيضاً تسجيل "انتهاكات أخلاقية ومهنية" في المحتوى الذي تقدمه هذه المنصات، مثل نشر خطاب يحض على الكراهية والتنميط، بالإضافة إلى غياب الدقة والموضوعية.
ولم يستبعد كوجان إصدار تعاميم إضافية في وقت لاحق، قد تؤدي إلى إلغاء تراخيص مؤسسات ومنصات أخرى، فضلاً عن تنظيم عمل صانعي المحتوى.
في المقابل، أعربت المنصات الثلاث عن رفضها القاطع للقرار. وصرحت هديل عويس، رئيسة تحرير "جسور نيوز"، بأن موقعها كان يحصل على تصاريح مؤقتة متجددة باستمرار، على الرغم من استكماله لجميع متطلبات الحصول على الترخيص الدائم. وأوضحت عويس: «حتى قبل أيام قليلة، كانت وزارة الإعلام تمنحنا تصاريح مؤقتة يتم تجديدها بشكل دوري، رغم أننا استكملنا جميع الأوراق المطلوبة للحصول على ترخيص دائم. وعند استفسارنا المتكرر، بشكل شبه أسبوعي، عن سبب عدم منح الترخيص الدائم، كان الرد: اعتبروا أنفسكم مرخّصين، مع الإشارة إلى أن التراخيص الدائمة لم تُمنح لأي جهة بعد، وأن إصدارها سيتم قريباً».
ووصفت عويس القرار بأنه مفاجئ، مشيرة إلى أن «تداعيات هذا الخطاب انعكست سريعاً، حيث بدأنا نتلقى عشرات التهديدات، بما في ذلك تهديدات بالقتل، من أشخاص لم يسبق لهم ربما حتى الاطلاع على محتوى جسور نيوز».
من جانبه، اعتبر موقع "هاشتاغ" أن القرار يحمل طابعاً سياسياً ويهدف إلى "إغلاق المجال العام". وأعلن الموقع استمراره في العمل من خارج سوريا، مؤكداً عزمه على الطعن بالقرار قانونياً. وجاء في بيان "هاشتاغ": «سنسلك كافة الطرق القانونية للدفاع عن حقنا وملاحقة المحرضين، ونعلن إيقاف عملنا مؤقتاً من الداخل، مع استمرار تغطيتنا الشاملة من مكاتبنا الخارجية، فمعركة حرية التعبير مستمرة ولن نُدجَّن». كما أشار البيان إلى أن «وزارة الإعلام، ممثلة بعدد من المعنيين فيها، قدمت ادعاءات "واهية" عن "هاشتاغ" حول ما أسمته "نشر خطاب يحض على الكراهية وينتهك معايير العمل الإعلامي" دون أن تقدّم دليلاً واحداً يثبت صحة تلك المزاعم».
أما مؤسسة "الدليل"، فقد أعلنت عن وقف نشاط فريقها داخل سوريا بشكل مؤقت، ريثما تتمكن من تسوية أوضاعها. وعزت المؤسسة ذلك إلى صعوبات مالية وإدارية تواجهها في استكمال متطلبات الترخيص. وأوضح بيان "الدليل" أن العمل فيها تطوعي بالكامل ولا تمتلك أي موارد مالية، وأن الترخيص يتطلب إيداع مبلغ 1000 دولار أمريكي في مصرف سوريا المركزي، بالإضافة إلى تأمين مكتب للموقع الإلكتروني وتحمل تكاليفه، وهو ما تسعى المؤسسة لتحقيقه عبر البحث عن واردات مالية تضمن استمرارية عملها.
لقي القرار انتقادات واسعة من قبل عدد من الصحفيين عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فقد كتب خالد سميسم، رئيس تحرير موقع "نو فلتر"، أن اشتراط الترخيص لإطلاق منصات إخبارية يتعارض مع النماذج المتبعة في دول رائدة مثل الولايات المتحدة. بدوره، رأى الصحفي زاهر هاشم أن منع وسائل إعلامية من العمل يتناقض بشكل صارخ مع الخطاب الرسمي الذي يدعو إلى توسيع هامش الحريات الصحفية، مطالباً بمراجعة شاملة لدور وزارة الإعلام في المرحلة القادمة. وقال هاشم: «الدول الحرة صحفياً التي تسعون لتكونوا مثلها مو بس استغنت عن التراخيص الصحفية.. استغنت كمان عن شي اسمه وزارة الإعلام».
وفي هذا السياق، دعت رابطة الصحفيين السوريين إلى تبني "نهج امتثال مرن" ومنح مهل إضافية للمؤسسات التي تبدي جدية في تسوية أوضاعها. واقترحت الرابطة تشكيل لجنة مهنية مستقلة تتولى مهمة تقييم المحتوى الإعلامي والنظر في ادعاءات التجاوزات، بهدف ضمان الفصل الواضح بين المخالفات الإدارية والخلافات التحريرية. كما أكدت الرابطة على الأهمية القصوى لحماية الحقوق المهنية للصحفيين العاملين في المؤسسات التي يشملها القرار.
يأتي هذا القرار في ظل تأكيدات السلطات الجديدة على سعيها لتنظيم العمل الإعلامي وتعزيز الحريات الصحفية في آن واحد، وهو توازن يصفه مراقبون بأنه بالغ الحساسية في مرحلة انتقالية تشهد إعادة بناء المؤسسات وتوسعاً ملحوظاً في الإعلام الرقمي. وبينما ترى الحكومة أن هذه الإجراءات ضرورية لضبط المهنية وضمان سيادة القانون، يخشى منتقدون أن تؤثر سلباً على التعددية الإعلامية وتدفق المعلومات. وهذا يشير إلى أن ملف تنظيم الإعلام قد يصبح أحد أبرز التحديات والاختبارات الرئيسية للمرحلة القادمة في سوريا.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة