مرسوم الديون المتعثرة في سوريا: تحليل لفرص إصلاح المصارف وتحديات تحويل السيولة إلى قروض إنتاجية


هذا الخبر بعنوان "بعد مرسوم الديون المتعثرة.. هل ينجح إصلاح ملاءة المصارف بتحويل السيولة الجامدة إلى قروض إنتاجية؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في ظل التحديات الاقتصادية المتفاقمة التي تواجهها سوريا، تبرز قرارات السياسة النقدية والمصرفية كاختبار حاسم لقدرة الدولة على إعادة هيكلة المشهد المالي وإنعاش الاقتصاد الوطني. وقد تناول محمد راكان مصطفى هذا الملف الحيوي بالتحليل.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور عبدالرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بـجامعة حماة، لصحيفة "الوطن" أن المرسوم الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع بشأن الديون المتعثرة يمثل خطوة استراتيجية بالغة الأهمية. يستهدف هذا المرسوم معالجة أحد أخطر الملفات التي تعيق عمل المصارف العامة وتجمد مواردها، وهو ملف الديون "الميتة". فبينما تعاني المصارف من تراكم محافظ الديون غير العاملة، يجد قطاع الأعمال والمواطنون أنفسهم محاصرين في حلقة مفرغة من المديونية التي تتآكل قيمتها بفعل الفوائد المتضخمة.
وأوضح الدكتور محمد أن هذا المرسوم يتجاوز كونه مجرد إجراء تصحيحي، ليصبح محاولة جادة لتحويل أزمة سيولة كامنة إلى محرك فعال للائتمان، مع إعادة توزيع المخاطر بين الممول والمقترض بطريقة أكثر إنصافًا.
وأشار في تحليله إلى أن المرسوم يلقي بظلاله على ثلاث زوايا رئيسية: تأثيره في تعزيز ملاءة المصارف، مدى عدالته في ظل الظروف التضخمية السائدة، وفعالية الآليات الزمنية المحددة للسداد.
وبخصوص انعكاس تحصيل الديون المتعثرة على الملاءة المصرفية والقروض الإنتاجية، بيّن محمد أن تقدير هذه الديون بنحو 440 مليون دولار، والتي ظلت عالقة لسنوات طويلة بضمانات غير منتجة، يمثل حالة من الاختناق المالي للمصارف العامة.
وأوضح أن هذه الديون، من الناحية المصرفية، كانت تشكل عبئًا على كفاية رأس المال وتضعف نسب السيولة، فضلاً عن استهلاكها لمخصصات كبيرة من أرباح المصارف، مما قيد قدرتها على تقديم ائتمانات جديدة.
وأضاف الدكتور محمد أنه بتطبيق المرسوم، وخاصة من خلال حوافز الإعفاء من الفوائد والغرامات، ستتمكن المصارف من استعادة جزء كبير من أصل هذه الديون. هذا التحصيل سيؤدي إلى تحسين ملحوظ في نسبة الديون المتعثرة، مما يعزز الميزانيات العمومية للمصارف أمام الجهات الرقابية. كما سيتم تحرير المخصصات التي كانت محجوزة لتغطية المخاطر، موفرة بذلك مساحة مالية جديدة تمكّن المصارف من استعادة دورها الأساسي في الوساطة المالية، وإعادة تدوير السيولة المالية المستعادة (حتى لو كانت جزءًا من أصل الدين) لتدخل مجددًا في دائرة الإقراض.
وعلى صعيد انعكاس ذلك على الاقتصاد الحقيقي، يرى أستاذ الاقتصاد أن الأمل معقود على أن تتجه المصارف، بعد استعادة هذه الأموال، نحو طرح قروض إنتاجية جديدة. ومع ذلك، يتوقع محمد أن هذا التحول لن يكون فوريًا ما لم يُرفق المرسوم بحوافز إضافية للمصارف لتمويل القطاعات الحقيقية مثل الصناعة والزراعة والطاقة. بعبارة أخرى، فإن تحصيل الديون "الميتة" يعد شرطًا ضروريًا ولكنه غير كافٍ لضخ الدماء في عروق الاقتصاد؛ إذ يجب أن تتبع ذلك سياسة ائتمانية توسعية موجهة تضمن توجيه السيولة الجديدة نحو الإنتاج بدلاً من الاستهلاك أو المضاربة.
عدالة الإعفاء وكفاية المهلة:
وأوضح محمد أنه في ظل التضخم الهائل الذي شهدته سوريا، والذي أدى إلى تآكل حاد في القوة الشرائية للعملة المحلية، كان الإصرار على تسوية الديون وفقًا للقيمة الاسمية القديمة مع إضافة فوائد مركبة سيشكل ظلمًا مضاعفًا للمقترضين. لذا، فإن الإعفاء من الفوائد والغرامات يمثل مبدأ عدالة إنشائية، يعيد التوازن بين طرفي العقد المالي الذي اختل بسبب الظروف القاهرة كالحرب والعقوبات والانهيار النقدي.
ويرى محمد أن هذا الإعفاء يحقق ثلاثة أهداف رئيسية: أولاً، إنصاف المقترض حسن النية الذي تعثر في السداد بسبب تغير المعادلات الاقتصادية الكلية وليس بسبب تعثر متعمد. ثانيًا، تقليل الخسائر الفعلية، حيث تفضل الدولة الحصول على أصل الدين بدلاً من التمسك بفوائد نظرية غير قابلة للتحصيل، وهو خيار اقتصادي أكثر عقلانية. ثالثًا، تحفيز التسوية الطوعية، إذ يمثل الإعفاء حافزًا قويًا للمدينين لتسوية أوضاعهم، بدلاً من البقاء في دائرة الملاحقة القضائية أو التهرب.
أما بخصوص المهلة الممنوحة للسداد (تتراوح بين 3 إلى 6 أشهر)، فقد اعتبر محمد أنها تشكل تحديًا كبيرًا لشريحة ذوي الدخل المحدود والعاملين في القطاع غير المنظم. ففي ظل انخفاض السيولة المتاحة للأسر السورية، قد يكون تجميع مبلغ قديم (مقوم بالدولار أو ما يعادله بالليرة السورية القديمة) خلال هذه الفترة القصيرة أمرًا صعبًا للكثيرين دون اللجوء إلى الاقتراض بفوائد مرتفعة من السوق الموازية.
واقترح محمد حلولًا لهذه المعضلة، مؤكدًا على الحاجة الماسة لآليات تمويلية ميسرة، منها: منح خيارات تمويل طويلة الأجل عبر السماح للمقترضين محدودي الدخل بالحصول على قروض جديدة (صغيرة) من المصارف ذاتها، تُخصص حصريًا لتسوية ديونهم المتعثرة، على أن تكون أقساطها متوافقة مع قدرتهم الاستيعابية. كما دعا إلى التوسع في مفهوم التسوية الجزئية والسماح بتسوية الديون عبر دفعات ميسرة تمتد إلى ما بعد المهلة المحددة، مع اشتراط جدية السداد. إضافة إلى ذلك، شدد على أهمية التنسيق مع صناديق الدعم الاجتماعي لتغطية شريحة العاجزين كليًا عن السداد، معتبرًا ذلك استثمارًا في استقرارهم الاجتماعي.
واختتم محمد تحليله بالقول إن المرسوم الخاص بالديون المتعثرة يمثل تحولًا في الفلسفة الاقتصادية من "منطق العقاب" إلى "منطق التسوية" في التعامل مع أزمات الائتمان. إنه قرار يتسم بواقعية عالية، حيث يعترف ضمنيًا بأن التمسك بالفوائد الاسمية في بيئة تضخمية هو مجرد وهم رياضي يعطل دورة رأس المال. وأكد أن نجاح هذا المرسوم لن يُقاس فقط بعدد الديون التي تم تحصيلها، بل بمدى قدرته على إعادة بناء الثقة بين المصارف والقطاع الخاص. فالمصارف بحاجة ماسة للتخلص من عبء الديون الميتة لتستعيد دورها كمقرض فعال، بينما يحتاج القطاع الخاص إلى فرصة ثانية ليصبح منتجًا مرة أخرى.
ومع ذلك، شدد محمد على أن المهلة القصيرة نسبيًا قد تستثني الفئات الأكثر هشاشة من فرصة التعافي، ما لم تُرفق هذه الخطوة ببرامج تمويل مبتكرة تسهل عملية السداد. واعتبر المرسوم بمثابة خطوة جراحية ضرورية، لكن النجاح الحقيقي سيتوقف على سرعة تفعيل المصارف لدورها في تمويل الإنتاج بالتزامن مع عملية التحصيل، لضمان ألا يظل المال العائد إلى الخزينة المصرفية أسيرًا للسيولة الجامدة، بل يتحول إلى استثمارات حقيقية تخلق فرص عمل وتعيد عجلة الاقتصاد الوطني إلى دورانها الصحيح.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد