وصية أوغاريت الفريدة: الأم حارسة العدالة ومُحددة الإرث في الأسرة


هذا الخبر بعنوان "وصية أوغاريت تنصب الأم حارسة للعدالة والإرث داخل البيت" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لطالما كانت الأم، عبر التاريخ الإنساني، أكثر من مجرد رمز للعاطفة؛ فقد مثلت جوهر القيم وميزان العدالة داخل الأسرة. لم تقتصر قدسيتها على الشعر، بل تجسدت في القوانين ونقشت على ألواح الطين، حيث ارتقى الحنان ليصبح معياراً للاستحقاق. ومن مدينة أوغاريت العريقة، تبرز وصية استثنائية تكشف كيف تحول الحب إلى تشريع، وكيف أصبحت الأم المرجعية العليا التي يُحتكم إليها في إرساء العدل ضمن البيت الواحد، كما تشير باسمة إسماعيل.
في هذا السياق، يقدم الباحث في التراث ومدير دائرة أوغاريت، الدكتور غسان القيم، قراءة معمقة لوثيقة "وصية الطين"، مؤكداً في حديثه لـ "الحرية" أنها تتجاوز كونها مجرد نص قانوني أو إداري، لتصبح شهادة حية على روح مدينة كاملة. ويوضح القيم أن هذا الرقيم ليس وثيقة قانونية بحتة أو نصاً إدارياً يُحفظ في أرشيف القصر ثم يُنسى، بل هو "قطعة من قلب المدينة نقشت حين شعر رجل بأن الزمن يضيق وأن ما لا يقال اليوم قد يضيع غداً، فاختار أن يُودِع صوته في الطين لأن الطين وحده يعرف كيف يصبر".
يسترسل الدكتور القيم في وصفه الإنساني لمشهد الحياة الذي تجسده الوصية، قائلاً: "في هذا النص لا نقرأ أسماء وأرقاماً فقط، بل نلمس بيتاً كاملاً منفتح الأبواب، ثيراناً تعود من الحقول مع الغروب، حميراً تحمل تعب النهار، أغناماً تعرف الطريق إلى الحظيرة، أدوات برونزية صقلتها الأيادي نفسها التي خبزت الخبز، وحقلاً يشرب من نهر رحباني كما يشرب الأطفال من ذاكرة أمهاتهم". ويضيف أن كل هذا لا يُذكر للتفاخر، بل ليؤكد بوضوح أن "هذا البيت كان حياة مشتركة"، تجسيداً لشراكة إنسانية عميقة.
ويوضح القيم أن جوهر النص يكمن في إعادة تعريف مفهوم الملكية، ليصبح شراكة إنسانية، مستشهداً بقول لاريمان: "كلّ ما هو موجود هو لي، وكلّ ما جمعته بيداوة معي". ويؤكد أن هذه العبارة تزيل الحواجز التقليدية بين الرجل والمرأة، وتحول الملكية إلى إقرار صريح بدور المرأة كشريكة أساسية وكاملة في بناء الحياة.
ويُبرز القيم اللحظة المحورية في الوصية، حيث تتجلى جرأة التشريع في منح الأم سلطة أخلاقية تتجاوز مجرد الإرث المادي. ويقول: "هي التي تختار مَن يرث، هي التي تزن القلوب قبل أن تفتح الصناديق، وهي التي تقرر إن كان الابن أهلاً للدار لا بحكم الدم بل بحكم السلوك".
ويضيف القيم أن النص يفرض حماية صارمة لكرامة الأم، فإساءة معاملتها تؤدي إلى فقدان الانتماء الاجتماعي، بعقوبات تتجاوز البعد المادي لتصل إلى الطرد الرمزي من الهوية والذاكرة. في المقابل، يرتقي الابن البار بها إلى مرتبة الحق القانوني، ليتوج وريثاً شرعياً، مما يؤكد أن الاستحقاق يُبنى على القيم والسلوك لا على النسب وحده.
تحت عنوان "الحب تشريعاً"، يؤكد القيم أن هذه الوثيقة تعيد تقديم المرأة الأوغاريتية كمحور للتوازن داخل الأسرة، لا كعنصر تابع، بل كصاحبة قرار تصوغ المستقبل. ويشير إلى أن ما يميز هذا الرقيم ويجعله نادراً ليس موضوعه فحسب، بل نبرته الإنسانية العميقة، فهو نص "لا يخشى أن يقول: إن الحب يمكن أن يكون تشريعاً، وإن الثقة حين تكتب تصبح أثراً".
ويختتم الدكتور القيم حديثه بالتأكيد على أن أوغاريت قدمت نموذجاً حضارياً متقدماً، حيث كانت المرأة "شريكة الملكية، وسيدة القرار، وحافظة البيت". ويشدد على أن "ما يُنقش بالعدل يبقى أبقى من المدن نفسها"، فمن تحت طبقات الرماد والزمن، ينهض صوت أوغاريتي صافٍ ليخبرنا أن "المدن لا تقاس بأسوارها بل بما تتركه من عدل في بيوت ناسها". وهكذا، تعيد "وصية الطين" الأوغاريتية تعريف العلاقة بين القانون والإنسان، جاعلةً الحب أساساً للتشريع، والأم مرجعية للعدل داخل الأسرة. وتتجلى بين سطور هذا النص القديم حقيقة خالدة: أن الحضارات التي تؤسس قوانينها على الرحمة، تضمن لنفسها الخلود في ذاكرة الإنسانية.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة