حذر الأكاديمي والباحث الاقتصادي د.أيمن عمر، استناداً إلى بيانات برنامج الأغذية العالمي، من أن 318 مليون شخص سيواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي بحلول عام 2026. وتسعى الوكالة جاهدة لتقديم المساعدة لنحو 110 ملايين شخص ضمن خطة طوارئ تبلغ قيمتها 13 مليار دولار. هذه الأرقام تعكس واقعاً معقداً لا يمكن فهمه بمعزل عن التأثيرات المدمرة للحرب على السلع الغذائية ومدخلات الإنتاج.
أزمة توصيل الغذاء وارتفاع التكاليف
يواجه العالم حالياً أزمة متفاقمة في توصيل الغذاء وارتفاع تكلفته، وذلك نتيجة للحرب المتصاعدة في الشرق الأوسط وانتشار تأثيراتها عالمياً، مما أحدث اضطرابات هيكلية عميقة في سلاسل الإمداد الغذائي. لا تقتصر الأزمة على نقص الحبوب والزيوت فحسب، بل تمتد لتشمل تعطل النقل والتأمين، والارتفاع الحاد في التكاليف، وتأثر المدخلات الأساسية للإنتاج الزراعي.
على الرغم من أن السلع الغذائية والوقود تشكل أقل من ربع سلة التضخم الاستهلاكي في معظم الاقتصادات المتقدمة، إلا أنها تمثل ما بين 30% و50% في العديد من الأسواق الناشئة. وقد أظهرت دراسة أكاديمية بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة (FAO) أن زيادة بنسبة 10% في أسعار الشحن البحري تؤدي إلى ارتفاع فاتورة الواردات الغذائية العالمية بما يتراوح بين 1.2% و3.5% خلال عام واحد، وتكون هذه التأثيرات أكبر في الدول النامية المستوردة، حيث تصل إلى حوالي 4.3%.
السلع الغذائية المتأثرة بالحرب
تتأثر السلع الأساسية مثل القمح، الذرة، الشعير، الأرز، الزيوت النباتية، اللحوم، والفواكه والخضار المجمدة بشكل مباشر بالحرب. لا يعود هذا التأثر إلى نقص في الإنتاج، بل إلى تعطل النقل، وصعوبة الوصول إلى الأسواق، والارتفاع الكبير في كلفة التأمين. يمكن تلخيص الأسباب الرئيسية لهذه الاضطرابات فيما يلي:
- تعطل الممرات البحرية الحيوية: تمر الحبوب والزيوت النباتية عبر مضائق بحرية استراتيجية مثل هرمز وباب المندب، التي تُعد شرايين التجارة العالمية. أي تهديد أمني أو عمليات عسكرية في هذه المناطق يؤدي إلى توقف السفن أو تغيير مساراتها إلى طرق أطول، مما يقلل من كمية الغذاء الواصلة إلى الأسواق.
- زيادة زمن النقل والتأخير الفعلي للشحنات: يؤدي تغيير مسارات السفن إلى طرق أطول إلى زيادة زمن وصول الغذاء من أيام إلى أسابيع. تتأثر المواد الحساسة مثل اللحوم والفواكه والخضار المجمدة بسرعة بهذا التأخير، حيث يمكن أن يؤدي إلى تلف جزء من البضائع أو فقدان قيمتها الغذائية.
- ارتفاع تكاليف النقل والتأمين: تزيد الحرب من المخاطر الأمنية، مما يدفع شركات التأمين إلى رفع أقساطها بشكل كبير، وترتفع تكلفة النقل بحدة. وقد شهدت بعض المسارات والمناطق عالية المخاطر ارتفاعات ملحوظة جداً في التكاليف، مما يجعل بعض الشحنات غير مجدية اقتصادياً ويؤدي إلى تأجيلها أو إلغائها.
- ترابط السلع بسلاسل إمداد طويلة: تمر سلع مثل القمح والذرة والأرز والزيوت عبر مناطق إنتاج محددة وتتطلب عمليات معالجة وتكرير قبل التصدير. أي تعطيل في النقل أو الموانئ يؤدي إلى شلل سلسلة الإمداد بأكملها.
- تأثر المواد القابلة للتلف: تحتاج اللحوم والفواكه والخضار المجمدة إلى تبريد مستمر. توقف النقل يؤدي إلى تلف كميات كبيرة منها، مما يعني ليس مجرد تأخير، بل خسارة فعلية في حجم السلع المتاحة.
- تأثير مضاعف على الزيوت والمنتجات الزراعية الثانوية: يرتبط زيت دوار الشمس وزيت النخيل بمحاصيل محددة. تعطل الحرب التصدير، وارتفاع التكاليف يقلل الكميات المتاحة عالمياً، حتى مع ثبات الإنتاج المحلي.
المدخلات الأولية للإنتاج الزراعي المتأثرة بالحرب
يظهر تأثير الحرب على المدخلات الزراعية في ثلاثة محاور استراتيجية رئيسية:
- الأسمدة (النيتروجينية، البوتاس، الفوسفات): تعتمد الأسمدة النيتروجينية على الغاز الطبيعي، وتأتي الكثير من المواد الخام من الشرق الأوسط والخليج. بالتالي، يساهم تعطل الممرات البحرية في رفع كلفة الإنتاج الزراعي بشكل ملحوظ، خاصة في الدول المعتمدة على استيراد الأسمدة والطاقة، مع تفاوت الأثر بين بلد وآخر ومحصول وآخر. تُعدّ الأسمدة إحدى أبرز نقاط الضغط في هذه الأزمة. فمضيق هرمز، الذي عطّلته إيران فعلياً، يمرّ عبره نحو 30% من تجارة الأسمدة العالمية، فيما يُعدّ منتجو الخليج من كبار مورّدي الأمونيا واليوريا، وفقاً لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو). كما يحذّر بنك أوف أميركا من أن النزاع يهدد ما بين 65% و70% من الإمدادات العالمية من اليوريا، في وقت ارتفعت فيه الأسعار بالفعل بنسبة تتراوح بين 30% و40%. وهذا الأمر يرفع كلفة الزراعة في دول بعيدة كالهند والبرازيل، ويؤدي لانخفاض إنتاجية الأرض في المواسم اللاحقة.
- الطاقة (النفط والغاز): الطاقة ضرورية لكل مراحل الإنتاج الزراعي، وتشكل حوالي 40-50% من كلفة النقل البحري والبري. بناءً عليه، فإن ارتفاع أسعار النفط فوق 100 دولار وزيادة مسارات النقل الطويلة يرفع كلفة الحرث والزرع والتخزين والشحن، ويؤدي إلى تضخم مركب يمتد من الحقل إلى المستهلك.
- علف الحيوانات: أدى التصعيد العسكري مع إيران إلى تعطل شحنات الأسمدة الأساسية، مما دفع أسعار الأسمدة – وهي من أهم المدخلات الزراعية لعلف الحيوانات – للارتفاع بنحو 30% إلى 40% في بعض المنتجات. كما رفعت الحرب أسعار الطاقة عالمياً، مما يضاعف تكاليف إنتاج ونقل الأعلاف الزراعية. نتيجة لذلك، تواجه صناعات تربية الحيوانات في أسواق كبرى مثل الصين زيادات ملموسة في أسعار المكونات الرئيسية للأعلاف (فول الصويا والذرة)، مما يرفع إجمالي كلفة الأعلاف ويثقل كاهل الإنتاج الحيواني.
التأثير على الأسواق العالمية
لا يقتصر تأثير هذه الحرب على الدول المحيطة بمنطقة الحرب أو على الدول النامية، وإنما يمتد ليشمل الاقتصادات المتقدمة:
- أوروبا: تعتمد على استيراد الحبوب والزيوت والمواد الأولية من البحر الأسود وأميركا الشمالية وأستراليا وآسيا. يرفع تعطل النقل أسعار العقود المستقبلية للحبوب والزيوت في البورصات الأوروبية، مما يزيد تكلفة المواد الغذائية عند التجزئة. وإن ارتفاع تكلفة القمح المستورد يرفع أسعار الخبز والمعجنات.
- الولايات المتحدة: يغطي الإنتاج المحلي الاحتياجات الأساسية، لكن سلسلة الإمداد مرتبطة بالأسواق العالمية للأسمدة والمواد الخام والنقل البحري. وإن ارتفاع أسعار الغاز والنفط يزيد كلفة إنتاج الأسمدة بنسبة تصل إلى 10%، مما يرفع تكلفة إنتاج الذرة وفول الصويا، وهما المكونان الأساسيان للأعلاف.
خاتمة: أزمة هيكلية تلوح في الأفق
لم تكتفِ الحرب الحالية برفع الأسعار فحسب، بل عطّلت فعلياً حجماً كبيراً من السلع الغذائية ومدخلات الإنتاج الزراعي. فملايين الأطنان من الحبوب والأسمدة والمواد الحساسة عالقة أو متأخرة بسبب تعطل النقل عبر مضائق حيوية مثل هرمز وباب المندب. لم يعد الأمن الغذائي مجرد مسألة إنتاج، بل أصبح مرتبطاً بقدرة العالم على توصيل وتأمين مرور هذه السلع. إن تعطل الممرات وارتفاع تكاليف النقل والتأمين يهدد الفائض الغذائي في بعض المناطق ويسبب نقصه في مناطق أخرى، مما يشكل أزمة هيكلية حقيقية بحلول عام 2026.