المسرح السوري في يومه العالمي: رحلة من الريادة التاريخية إلى واقع التهميش وتحديات البقاء


هذا الخبر بعنوان "في يومه العالمي.. المسرح السوري من الريادة إلى “طفل يتيم”" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يحتفي العالم في السابع والعشرين من آذار كل عام بيوم المسرح العالمي، مناسبة لإبراز أهمية هذا الفن الإنساني الجامع ودوره في تعزيز الحوار الثقافي والتعبير عن قضايا الإنسان وخصوصية التجارب الوطنية. وفي السياق السوري، يتجلى المسرح كمرآة تعكس تحولات المجتمع، بدءًا من الجهود التأسيسية لـأبو خليل القباني، مرورًا بمسرح سعد الله ونوس النقدي، وصولًا إلى محاولات البقاء المستمرة رغم ويلات الحرب والشتات. ورغم التحديات الجمة، يظل المسرح السوري فضاءً حيويًا للإبداع وذاكرة ثقافية تختزل تاريخًا طويلًا من الصراع والتجدد. وبهذه المناسبة، تقدم "عنب بلدي" قراءة تحليلية لتاريخ المسرح في سوريا، وما يحمله من أبعاد اجتماعية وسياسية وثقافية.
ارتبطت الانطلاقة الفعلية للمسرح السوري باسم أبو خليل القباني في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حيث قدم عروضه الأولى في دمشق حوالي عام 1871. استلهم القباني أعماله من التراث الشعبي العربي، مثل "ألف ليلة وليلة"، ودمج بين التمثيل والغناء والرقص، متأثرًا بالمسرح الأوروبي، وخاصة أعمال "موليير". ورغم المعارضة الاجتماعية والدينية التي واجهها في بداياته، نجح في تأسيس تقاليد مسرحية عربية محلية، واضعًا بذلك اللبنة الأولى للمسرح السوري الحديث.
بعد استقلال سوريا عام 1946، بدأ المسرح يأخذ طابعًا مؤسساتيًا، وشهدت ستينيات القرن العشرين نهضة مسرحية بارزة. فقد ظهرت فرق ومؤسسات مهمة مثل المسرح القومي، والمسرح الجامعي، ومسرح الشوك. كما تم إنشاء مسارح رسمية في دمشق، كمسرح "القباني" و"الحمراء"، لتصبح مراكز رئيسية للإنتاج المسرحي، وعرضت فيها أعمال سورية وعربية على حد سواء.
في السبعينيات والثمانينيات، دخل المسرح السوري مرحلة جديدة تميزت بالعمق الفكري والنقدي، وبرز فيها اسم سعد الله ونوس، الذي يُعد من أبرز كتاب المسرح العربي. قدم ونوس ما عُرف بـ"مسرح التسييس"، متناولًا قضايا الحرية والسلطة والهزيمة العربية، ومحولًا المسرح إلى فضاء للنقاش العام. كما أسهمت أسماء أخرى في تطوير التجربة المسرحية، سواء على مستوى الكتابة أو الإخراج.
مع نهاية القرن العشرين، اتجه المسرح السوري نحو مزيد من التجريب في الشكل والمضمون. وبرزت أسماء في الإخراج والكتابة مثل وليد قوتلي، الذي ركز على المسرح التجريبي والشعري، مقدمًا أعمالًا ذات طابع بصري وفلسفي. وتداخل المسرح في هذه الفترة مع الأدب السوري الحديث، الذي تأثر بدوره بالتحولات الاجتماعية والسياسية، وركز على قضايا الإنسان اليومية والوجودية.
منذ عام 2011، واجه المسرح السوري تحديات كبرى نتيجة سنوات الثورة السورية، حيث تدهورت البنية التحتية الثقافية داخل سوريا، وهاجر عدد كبير من الفنانين. ومع ذلك، لم يتوقف الإنتاج المسرحي، بل انتقل إلى فضاءات جديدة داخل سوريا وخارجها، حيث قدم كتاب ومخرجون معاصرون أعمالًا توثق الحرب وتجارب اللجوء، وركزت على معاناة السوريين وتحولات المجتمع.
أكد المخرج والممثل المسرحي زين طيار لـ"عنب بلدي" أن المسرح السوري كان رائدًا في المسرح العربي منذ نشأته. وأوضح أن تجربة أبو خليل القباني عام 1871 لم تكن رائدة للمسرح السوري فحسب، بل للمسرح العربي بأكمله، كونها أول من أسس لمسرح عربي حقيقي بدلًا من مجرد إعادة إنتاج أعمال أوروبية. وأشار إلى أن التجربة السورية سبقت نظيراتها في العراق ومصر وبلدان عربية أخرى، لافتًا إلى أن القباني نقل تجربته إلى مصر وأسهم في نشر الفن المسرحي عربيًا، كما قدم عروضًا في المعرض العالمي في شيكاغو عام 1893. وتحدث طيار عن مرحلة تأسيس المسرح القومي عام 1959، التي شهدت تقديم أعمال مهمة بمشاركة مخرجين بارزين مثل نهات قلعي ورفيق الصبان وفواز الساجر وأسعد فضة، إضافة إلى أسماء أخرى أسهمت في تطوير الحركة المسرحية السورية، التي كان لها حضور في مهرجانات عربية وعالمية.
بحسب قراءة زين طيار، كان مهرجان دمشق المسرحي، الذي انطلق عام 1969، أول مهرجان مسرحي عربي دولي، وكان تحت إشراف سعد الله ونوس. وقد شكل هذا المهرجان قاعدة أساسية للتبادل الثقافي والخبرات بين المسرحيين السوريين والعرب والعالميين.
في وصفه للواقع الراهن، قال زين طيار إن المسرح السوري انتقل من موقع الريادة إلى "أواخر القافلة المسرحية العربية"، معتبرًا أن هذا التراجع ليس وليد اللحظة، بل نتيجة تراكمات تمتد إلى ما بين 15 و20 عامًا. ومن أبرز أسبابه توقف مهرجان دمشق المسرحي، الذي كان يشكل منصة أساسية للتواصل والانفتاح. وشبه طيار واقع المسرح السوري اليوم بـ"الطفل اليتيم" الذي يعيش دون رعاية حقيقية، مشيرًا إلى أن وزارة الثقافة تتحمل مسؤولية هذا التراجع في الماضي والحاضر، سواء بسبب الظروف السياسية والاقتصادية سابقًا، أو بسبب ضعف الدعم والتوجهات الحالية، رغم توفر الإمكانيات في بعض الفعاليات الأخرى. وأضاف أن المسرح ظل يعاني من التهميش والتضييق، لكونه فنًا مرتبطًا بالواقع السياسي، ويعكس ما يجري داخل الأنظمة، ما جعله عرضة للتفقير والتهميش.
وفيما يتعلق بسبل النهوض، شدد زين طيار على ضرورة إقامة شراكات بين وزارة الثقافة والقطاع الخاص، وفتح شباك التذاكر لدعم الإنتاج المسرحي، إلى جانب تحسين البنية التحتية للمسارح التي وصفها بأنها متهالكة وتحتاج إلى صيانة شاملة. كما أكد أهمية تحسين أجور الفنانين، التي لا تتناسب مع حجم الجهد المبذول، إضافة إلى دعم المشاركة في المهرجانات الدولية، وتنظيم ورشات تدريبية، وتنشيط الحركة المسرحية على مختلف المستويات. وأشار أيضًا إلى غياب المسرح التجاري والمسرح القومي الفاعل في الوقت الحالي، مقارنة بمراحل سابقة شهدت نشاطًا واضحًا في هذا المجال. وفي ختام مداخلته، وصف طيار واقع الاحتفال بـيوم المسرح العالمي بأنه "باهت"، معتبرًا أن غياب إنتاجات جديدة يعكس حالة التراجع، لافتًا إلى أن المسرح السوري يحتاج إلى "رؤية جديدة ودم جديد"، وليس مجرد ترميم، بل إعادة بناء شاملة تستند إلى خبرات المسرحيين والمتخصصين، من أجل استعادة دوره ومكانته.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة