الصين في صراع الشرق الأوسط: استراتيجية بكين لتحقيق المكاسب دون الانخراط العسكري


هذا الخبر بعنوان "الصين في حرب إيران: كيف تربح دون أن تنتصر؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يرى وارف قميحة أن الصراع الدائر الذي يشمل إيران يضع منطقة الشرق الأوسط في قلب تحولٍ جوهري ضمن النظام الدولي، ويكشف عن تباين مقاربات القوى الكبرى في التعامل مع النزاعات. فبينما تنخرط بعض الأطراف مباشرة في المواجهة، تتبنى الصين مساراً مغايراً يرتكز على إدارة التوازنات بدلاً من التدخل العسكري. هذا الخيار لا يعني غياباً للصين، بل يعكس نهجاً راسخاً في سياستها الخارجية، يقوم على تجنب التورط في النزاعات والتركيز على الاستقرار كركيزة أساسية لحماية مصالحها الاقتصادية. لقد عززت بكين حضورها في المنطقة خلال العقدين الماضيين، وترتبط بشبكة معقدة من العلاقات تشمل كلاً من إيران ودول الخليج، بالإضافة إلى مصالح أوسع نطاقاً مع الاقتصاد العالمي.
لا يُعد الشرق الأوسط مجرد ساحة سياسية بالنسبة للصين، بل هو منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر رئيسية: أمن الطاقة، استقرار طرق التجارة، واستمرارية مشاريع البنية التحتية المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق. أي تصعيد واسع النطاق في هذه المنطقة ينعكس بشكل مباشر على الاقتصاد الصيني، مما يفسر حرص بكين على احتواء التوتر دون الانخراط فيه عسكرياً. في هذا السياق، يتجلى الدور الصيني كحضور محسوب؛ فهي لا تشارك في العمليات العسكرية، لكنها تراقب مسار التصعيد بدقة، وتتحرك دبلوماسياً للدفع نحو التهدئة، مع الحفاظ على قنوات التواصل مع مختلف الأطراف المعنية.
في المقابل، تكشف هذه الحرب عن حدود الشراكة الصينية-الإيرانية. فعلى الرغم من العلاقات الاستراتيجية التي تجمع الطرفين، لم تقدم بكين دعماً عسكرياً مباشراً لإيران، ولم تنخرط في المواجهة. يعكس هذا طبيعة السياسة الصينية القائمة على إدارة المصالح وفق توازن دقيق، وليس بناءً على تحالفات صلبة. كما تحرص الصين على عدم الإضرار بعلاقاتها مع دول الخليج، التي تمثل شريكاً رئيسياً لها في مجال الطاقة، إلى جانب سعيها لاستمرار قنوات التعاون الاقتصادي مع أطراف أخرى في المنطقة. هذا التوازن يفرض على بكين هامش حركة محسوباً، يمنعها من الانحياز الكامل لأي طرف.
في الوقت ذاته، لا يمكن اعتبار الصين مستفيداً مطلقاً من هذه الحرب. فارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب سلاسل الإمداد، والمخاطر المرتبطة بأمن الملاحة، كلها عوامل تضغط على الاقتصاد الصيني. وبالتالي، فإن مصلحتها الأساسية تكمن في احتواء التصعيد، وليس في استمراره. لا يمكن فصل الموقف الصيني الحالي عن الإطار الأوسع الذي طرحه الرئيس شي جين بينغ في السنوات الأخيرة حول الحوكمة العالمية، والذي يقوم على أولوية الاستقرار، واحترام سيادة الدول، وتسوية النزاعات عبر الحوار بدلاً من القوة.
المواقف الدبلوماسية الصينية، بما فيها الاتصالات الأخيرة التي أكدت ضرورة العودة إلى المفاوضات ورفض التصعيد، لا تُعد استجابة ظرفية للأزمة، بل تعبيراً عن نهج مستمر في إدارة الأزمات الدولية. يقوم هذا النهج على تقديم الصين نفسها كطرف يدفع نحو التهدئة، ويحافظ في الوقت نفسه على توازن علاقاته مع مختلف الأطراف. وبذلك، تتحول الدبلوماسية الصينية من مجرد أداة سياسية إلى جزء من تصور أوسع لدور الصين في النظام الدولي، حيث تسعى إلى تثبيت موقعها كقوة توازن، لا كطرف صدام.
ضمن هذا الإطار، لا تسعى الصين إلى تحقيق انتصار في هذه الحرب بالمعنى التقليدي، بل إلى تثبيت موقعها في مرحلة ما بعدها. فهي لا تنافس على قيادة المواجهة، بل على إدارة نتائجها، من خلال تقليل المخاطر وتوسيع شبكة الشراكات. وفي وقت تنخرط فيه الولايات المتحدة في إدارة المواجهة، وتعمل إسرائيل على فرض معادلات ميدانية، وتواجه إيران ضغوطاً متزايدة، تختار الصين مساراً مختلفاً يقوم على الاستقرار والانفتاح الاقتصادي وإدارة التوازنات.
في المحصلة، لا تبحث بكين عن نصر عسكري، بل عن موقع أفضل في نظام دولي يتشكل تحت ضغط الأزمات. وفي هذا السياق، قد لا تكون القوة فيما تفعله الدول خلال الحرب، بل في كيفية تموضعها لما بعدها.
بقلم: وارف قميحة*
*رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث / رئيس الرابطة العربية – الصينية للحوار والتواصل
المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة “النهار” الإعلامية.
المصدر: أخبار سوريا الوطن١-النهار
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة