الحياد السوري في مواجهة التحديات: صواريخ وخلايا "الحشد" لا تغير المسار


هذا الخبر بعنوان "صواريخ وخلية “الحشد” لا تغير في الحياد السوري" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٩ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في أعقاب أدائه صلاة عيد الفطر بقصر "الشعب" في دمشق، ألقى الرئيس السوري، أحمد الشرع، كلمة أوضح فيها الخطوط العريضة للسياسة السورية المتبعة تجاه النزاع الإقليمي الدائر بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. أكد الشرع أن بلاده تسعى جاهدة لإبعاد نفسها عن هذا النزاع، الذي وصفه بـ"الحدث الكبير والنادر في التاريخ"، مشيرًا إلى أن الحكومة السورية تحسب خطواتها بدقة متناهية وتعمل على تجنب أي صراع، مع السعي للتوافق مع جميع الدول الإقليمية.
وأضاف الرئيس أن سوريا، التي كانت على الدوام ساحة صراع ونزاع خلال السنوات الخمس عشرة الماضية وما قبلها، أصبحت اليوم في وفاق مع جميع الدول المجاورة إقليميًا ودوليًا، وتتضامن بشكل كامل مع الدول العربية. وشدد على أن سوريا انتقلت إلى مرحلة جديدة، متحولة من ساحة صراع إلى ساحة مؤثرة تسهم في الاستقرار والأمان على المستويين الداخلي والإقليمي.
الباحث في "المركز السوري للدفاع والأمن" (مسداد)، معتز السيد، اعتبر في حديث لـ"عنب بلدي" أن الحياد الذي انتهجته دمشق يمثل "خيارًا منطقيًا في هذه المرحلة"، نظرًا لعدم امتلاك سوريا هامشًا واسعًا للدخول في صراع إقليمي مفتوح، خاصة في ظل "وضع اقتصادي وأمني هش". ورأى السيد أن أي انخراط مباشر قد يعرض البلاد لضربات أو تدخلات إضافية، لذا فإن تبني سياسة الحياد يهدف إلى تجنب نقل المواجهة إلى الداخل السوري.
من جانبه، يعتقد الباحث في مركز "جسور للدراسات"، وائل علوان، أن الحكومة السورية نجحت حتى الآن في تجنب الكثير من تداعيات الحرب وآثارها المباشرة على الساحة الداخلية، خصوصًا مع "تموضع سوريا وسط المتنازعين إسرائيل وإيران". وأشار إلى أن الساحة السورية بعيدة عن أن تكون جزءًا مباشرًا من الصراع والحرب.
لكن علوان أوضح أن ابتعاد سوريا عن التداعيات المباشرة لم يمنع الآثار غير المباشرة من التأثير عليها، شأنها شأن جميع دول المنطقة. وتجلت هذه الآثار في سقوط المقذوفات والتصادم الجوي بين الصواريخ الإيرانية والمضادات الإسرائيلية، بالإضافة إلى الآثار الاقتصادية المتمثلة في ارتفاع أسعار النفط عالميًا وتوقف تدفق الغاز من الأردن. ونوه إلى وجود قلق من توسع دائرة الصراع في حال استمراره طويلًا، مستبعدًا أن تكون سوريا هدفًا مباشرًا لأحد أطراف الصراع، خاصة بعد الانسحاب الأمريكي من القواعد والنقاط العسكرية في سوريا، مما يجعل استهداف سوريا من قبل إيران أمرًا بعيدًا في ظل التركيز على استهداف المصالح الأمريكية في المنطقة.
على الرغم من سياسة الحياد المعلَنة من دمشق، لم يمنع ذلك استهداف أراضيها من قبل بعض المجموعات العراقية المسلحة التابعة لإيران. فقد أكدت هيئة العمليات في الجيش السوري، في 23 من آذار الحالي، تعرض إحدى القواعد العسكرية قرب بلدة اليعربية بريف الحسكة لقصف صاروخي. وأضافت الهيئة، في تصريحات لـ"الإخبارية السورية" الحكومية، أن القصف نُفّذ بخمسة صواريخ انطلقت من محيط قرية تل الهوى الواقعة بعمق 20 كم داخل الأراضي العراقية. وذكرت الهيئة أن الجانب السوري تواصل مع العراق للتنسيق حول الحادثة، وأكد الجيش العراقي أنه بدأ بعملية تمشيط وبحث عن الفاعلين. ونوهت إلى أن "الجيش السوري بحالة تأهب كاملة، وسيقوم بمسؤولياته للدفاع عن الأراضي السورية والتصدي لأي اعتداء".
وفي سياق التطورات الأمنية، أفاد مراسل "عنب بلدي" في محافظة دير الزور بأن جهاز الاستخبارات السوري ألقى القبض على خلية تتبع لـ"الحشد الشعبي" العراقي في المحافظة الواقعة شرقي سوريا. ونقل المراسل عن مصدر في الاستخبارات السورية أن الخلية مكونة من ستة أشخاص كانت تنشط في نقل المعلومات وتهريب الأسلحة، دون إيراد تفاصيل إضافية.
بيّن الباحث وائل علوان أن الميليشيات العراقية تحاول زج سوريا في دائرة الصراع، من خلال استهداف بعض النقاط العسكرية للجيش السوري في الحسكة، بهدف الضغط على أمريكا عبر محاولة خلق فوضى في المنطقة لا تتناسب مع المصالح الأمريكية. لكنه أشار إلى أن التحرك الذي قامت به هذه المجموعات العراقية التابعة لإيران لا يزال في طور التحركات المحدودة التي لا تحمل أي تأثير على استراتيجية الدولة السورية، لوضعها أمام استحقاق الدفاع عن أمنها القومي والوطني بالتدخل العسكري ضد "الحشد الشعبي" العراقي.
من جانبه، أشار الباحث معتز السيد إلى أن التحركات التي قامت بها بعض الميليشيات العراقية داخل الأراضي السورية لا يمكن فصلها عن السياق السابق في المنطقة، خاصة في دير الزور خلال فترة النظام السابق، حيث كان لهذه المجموعات نفوذ واسع هناك، وكانت المنطقة تُستخدم كنقطة وصل بين العراق وسوريا وصولًا إلى الحدود اللبنانية، لنقل السلاح إلى داخل سوريا ثم إلى "حزب الله" اللبناني. وأوضح أن هذا النفوذ لم يختفِ بالكامل، ومن الطبيعي أن يحتاج تفكيكه إلى وقت وجهد طويل.
وأضاف السيد أن أي تحرك، ولو كان محدودًا، يحمل دلالات مهمة، فقد يكون الهدف دعمًا لوجستيًا، أو إعادة تفعيل شبكات قديمة، أو تنفيذ عمل أمني محدد، أو حتى نقل سلاح لتخفيف الضغط عن الجماعات المرتبطة بإيران. فالتحركات تشير إلى محاولة للحفاظ على خط إمداد أو إعادة تشغيله بشكل تدريجي داخل الأراضي السورية. ونوه إلى أن التأثير يبقى محدودًا، في ظل التراجع الكبير في نفوذ هذه المجموعات داخل سوريا، وعدم امتلاكها حرية الحركة التي كانت تتمتع بها سابقًا قبل سقوط نظام الأسد، مرجحًا ألا تكون قادرة حاليًا على التأثير بشكل واسع في المشهد الميداني.
يرى السيد أن التحركات التي نشهدها أقرب إلى عمليات محدودة، سواء أمنية أو تهريب سلاح، ولا ترقى إلى مستوى تهديد استراتيجي يمكن أن يدفع الحكومة السورية إلى مواجهة مفتوحة معها. وأشار الباحث إلى أن دمشق تدرك هذا الواقع، ولذلك تميل إلى الاحتواء بدل التصعيد، دون استبعاد تدخلات سورية موضعية لضبط هذه التحركات في حال تطورت هذه الأنشطة بشكل أكبر، دون الوصول إلى صراع مفتوح.
سبق هذا التصعيد تحركات سياسية بين الجانبين السوري والعراقي، حيث بحث الرئيس الشرع ورئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، تطورات الأوضاع الإقليمية، ولا سيما تلك المرتبطة بالتصعيد بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وانعكاساتها على أمن واستقرار المنطقة. وأكد الجانبان أهمية تعزيز التنسيق والتعاون الأمني المشترك، مشددين على ضرورة تغليب الحوار والحلول السياسية، وعلى عمق العلاقات الأخوية بين سوريا والعراق، وحرصهما على استمرار التشاور والتنسيق بما يخدم المصالح المشتركة ويسهم في دعم الاستقرار الإقليمي.
يرى الباحث معتز السيد أن التنسيق بين سوريا والعراق مهم نظريًا لضبط الحدود ومنع تسلل الجماعات المسلحة، لكنه يواجه تحديًا حقيقيًا يتمثل في عدم امتلاك الحكومة العراقية سيطرة كاملة على بعض هذه المجموعات. ويعتقد أن التنسيق قد يكون محدود الفعالية على الأرض، لكنه مفيد في تبادل المعلومات الاستخباراتية ومحاولة تقليل التحركات غير المنضبطة، مشيرًا إلى أن دمشق تدرك أن الاعتماد الكامل على الجانب العراقي غير كافٍ، لذلك قد تتجه لتعزيز إجراءاتها الذاتية على الحدود بدل الاعتماد على التنسيق فقط.
وذكر السيد عدة خيارات أمام الحكومة السورية لمواجهة هذه التحركات، تدور جميعها حول تجنب التصعيد، شملت تعزيز الانتشار العسكري على الحدود الشرقية، وضبط المعابر غير الرسمية، وتكثيف العمل الاستخباراتي لرصد الخلايا قبل تحركها. وأضاف خيارات أخرى تضمنت استخدام القنوات السياسية مع العراق للضغط باتجاه ضبط هذه المجموعات، واللجوء إلى عمليات أمنية محدودة داخل الأراضي السورية ضد أي خلايا نشطة، في ظل استبعاد الخيار العسكري الواسع، والتركيز على احتواء التهديد ومنع تحوله إلى أزمة أكبر دون الانجرار إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.
من جانبه، يعتقد الباحث وائل علوان أنه لا توجد خشية سورية كبيرة من المشهد ضمن العراق، بسبب الضغط الأمريكي الكبير، والتنسيق السوري مع الحكومة العراقية رغم ضعف إجراءاتها في التأثير على هذه المجموعات المسلحة، بالإضافة إلى استعداد الحكومة السورية الدائم للدفاع عن حدودها وحماية مواطنيها ومصالحها، مستبعدًا حدوث تدخل سوري ضمن الأراضي العراقية بناء على الوقائع الحالية. وأشار علوان إلى أن موضوع الانتخابات العراقية وتعثر تشكيل الحكومة الجديدة أثر على مسار التنسيق السوري العراقي في ظل صعود تيار المالكي، مشيرًا إلى أن الضغط الأمريكي لعدم عودة المالكي ربما يصب في مصلحة سوريا لاستكمال المسار التنسيقي مع حكومة السوداني في العراق.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة