عقد استثماري إماراتي لإعادة تأهيل معمل أسمنت طرطوس: آمال اقتصادية وتحديات بيئية


هذا الخبر بعنوان "معمل أسمنت طرطوس.. هل تلتزم “QZ” الإماراتية بمعالجة التلوث؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٩ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
وقعت الشركة العامة لصناعة وتسويق الأسمنت ومواد البناء (عمران) عقدًا استثماريًا مع شركة “QZ” الإماراتية، يمتد لخمسة عشر عامًا، بهدف إعادة تأهيل وتشغيل مطاحن معمل أسمنت طرطوس. تأتي هذه الخطوة ضمن مساعي تعزيز الإنتاج المحلي وتحسين كفاءة القطاع الصناعي.
صرح المدير العام للشركة العامة لصناعة وتسويق الأسمنت ومواد البناء (عمران) في سوريا، محمود فضيلة، لعنب بلدي، بأن توقيع العقد يهدف إلى الاستفادة القصوى من الأصول المعطلة والمتهالكة، مما يُبشّر بتعافٍ سريع للقطاع من خلال إدخال تكنولوجيا حديثة في صناعة الأسمنت. وأضاف فضيلة أن المشروع سيُسهم في توفير فرص عمل للأيدي العاملة الوطنية بأجور تتناسب مع هذه الصناعات الاستراتيجية، بالإضافة إلى تدريب العاملين على أحدث التقنيات ومعايير السلامة المهنية، مع إيلاء اهتمام خاص بالجانب البيئي الذي كان غائبًا خلال فترة حكم النظام السابق.
وأوضح المدير العام أن هذا العقد سيُحدث 300 فرصة عمل مباشرة وأكثر من 2000 فرصة عمل غير مباشرة، مما يُعزز سوق العمل ويُنشّط الاقتصاد المحلي.
وبموجب الاتفاق، سيتم إنتاج الأسمنت محليًا بكفاءات وخبرات وطنية، وذلك عبر استيراد مادة “الكلنكر” وطحنها وفقًا للمواصفات القياسية السورية. هذا الإجراء من شأنه أن يُعزز القدرة التنافسية للمنتج الوطني، ويُسهم في استقرار الأسعار، وتوفير المادة في الأسواق، وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
وأشار فضيلة إلى أن شركة “QZ” تتمتع بخبرات واسعة في الاستثمارات الصناعية والإنشاءات في دولة الإمارات، وتتعاون مع شركات دولية متخصصة في صناعة الأسمنت. وأكد أن الشركة ستعتمد على الخبرات الوطنية في تشغيل معمل أسمنت طرطوس بإدارة عالمية.
وتشمل التقنيات والمزايا الجديدة التي يتيحها العقد، بحسب فضيلة، القدرة الفنية المتمثلة في الخبرة بتشغيل مطاحن ومعامل الأسمنت، والملاءة المالية التي تضمن القدرة على التمويل والتأهيل، وتقديم العرض الاقتصادي الأفضل للدولة، بالإضافة إلى القدرة على تأمين المواد الأولية واستمرارية التشغيل، والالتزام بشروط الحكومة مع بقاء الملكية العامة للمعمل.
وتكمن أهمية توقيع هذا العقد الاستثماري لإعادة تأهيل مطاحن معمل أسمنت طرطوس، وفقًا لفضيلة، في عدة نقاط استراتيجية منها إعادة تشغيل جزء حيوي من سلسلة إنتاج الأسمنت (الطحن)، ورفع كفاءة المعمل دون تحميل الدولة أعباء تمويلية كبيرة، وإدخال خبرات وتقنيات حديثة عبر القطاع الخاص، والحفاظ على ملكية الدولة مع تحسين الأداء التشغيلي.
في المقابل، تزايدت خلال السنوات الماضية شكاوى سكان القرى المحيطة بمعمل أسمنت طرطوس، مثل حصين البحر والسودا، بسبب الغبار الكثيف الناتج عن المعمل، والذي تسبب بأضرار بشرية وبيئية جسيمة. ورغم تفاقم الأزمة، لم تتخذ الحكومات المتعاقبة للنظام السابق أي إجراءات جذرية لإيجاد حل دائم.
وأفاد أهالٍ من القريتين المذكورتين في وقت سابق، أن الكثير منهم يعانون من أمراض الربو والحساسية، بالإضافة إلى ارتفاع ملحوظ في عدد المصابين بأمراض السرطان. وأكدوا أن هذه المعاناة تمتد لسنوات طويلة ولن تُحل إلا باتخاذ إجراءات جذرية بعيدًا عن الحلول المؤقتة. ويعتبر أهالي المنطقة أن معمل الأسمنت يمثل “كارثة بيئية وإنسانية حقيقية”، مشددين على أن الجهات المحلية والمركزية تدرك جيدًا أن نسبة التلوث تجاوزت الحدود المسموح بها بشكل كبير.
من جانبه، أكد الدكتور حسين جنيدي، الخبير في تقييم الأثر البيئي والأستاذ في المعهد العالي لبحوث البيئة بجامعة “اللاذقية”، في حديث لعنب بلدي، أن معمل أسمنت طرطوس يمتلك تاريخًا “حافلًا” في تلويث البيئة المحيطة وبيئة العمل. وأضاف جنيدي أن هناك العديد من الجوانب التي يجب العمل عليها للحيلولة دون استمرار حالة التلوث القائمة، والتي انعكست على جميع العناصر البيئية داخل المعمل وفي المناطق المحيطة به.
وشدد الخبير على أهمية أن تقوم شركة “عمران” بإجراء مراجعة بيئية جادة لجميع وحدات المعمل الإنتاجية، بالإضافة إلى تقييم الوضع البيئي الحالي قبل الشروع في التأهيل والاستثمار، بهدف تحديد المسؤوليات لاحقًا. ويرى جنيدي أن إجراء مثل هذه الدراسة يصب في مصلحة أي جهة مستثمرة جديدة لتوضيح الوضع البيئي القائم قبل عمليات إعادة التأهيل، كما سيكون لمصلحة العمال والتجمعات السكانية المحيطة.
وتتضمن الدراسة، وفقًا لجنيدي، تقييم الأضرار الناجمة عن التشغيل السابق والبحث في إمكانية إعادة تأهيل المناطق المتضررة، بالإضافة إلى دفع التعويضات بما يتناسب مع حجم الأضرار الحاصلة. وأضاف الخبير أن الضرورات العقدية تقتضي تسليم موقع العمل بجميع معطياته وإشكالياته، وذلك للتقليل من أي إشكاليات أو دعاوى لاحقة.
وأشار جنيدي إلى أن العقد الموقع يتضمن التزامًا صريحًا بالمعايير البيئية والسلامة العامة خلال عملية إعادة التأهيل والتشغيل، من خلال إدخال تقنيات حديثة في مرحلة الطحن، مما يعني ضمنيًا إمكانية تركيب “فلاتر” وأنظمة تحد من الغبار مقارنة بالتقنيات القديمة المعمول بها.
ويكمن التحدي الأكبر أمام المستثمر الجديد، بحسب الخبير في تقييم الأثر البيئي، في معالجة الآثار المتراكمة الناتجة عن العمل السابق، نظرًا لأن معمل أسمنت طرطوس من المعامل القديمة نسبيًا وله تاريخ طويل في تلويث المنطقة. وتشمل هذه الآثار انبعاثات الغبار الناجمة عن غياب أو سوء عمل “الفلاتر”، مما أدى إلى تراكم طبقات من الغبار ضمن ساحات المعمل وعلى المنازل والمزروعات في المناطق المحيطة، مبينًا أن عدم الالتزام بالمعايير كان السبب وراء التلوث الحاصل.
وشدد الخبير على ضرورة التقيد بالاشتراطات التي تحقق الالتزام البيئي الحقيقي وليس مجرد الالتزام الورقي، معتبرًا أن هناك جانبين أساسيين يجب التركيز عليهما: ضبط الانبعاثات والغبار (المرتبط بصحة السكان)، وجانب بيئي ثانٍ مرتبط بحماية الغطاء النباتي والتربة.
وقال الخبير إن ضبط الانبعاثات والغبار (التحكم في المصدر) يمثل التحدي الأكبر في معمل أسمنت طرطوس. ولتحقيق الالتزام البيئي الحقيقي، يجب أن تشمل خطة التأهيل ما يلي: تركيب مرشحات نسيجية عالية الكفاءة بدلًا من المرشحات القديمة، بحيث لا تقل كفاءتها عن 99.9% لضمان أن الغبار الخارج من المداخن يكون ضمن الحدود المسموح بها (أقل من 50 ملغ/م³). كما يجب تغطية وتغليف خطوط الإنتاج بإحكام، وإنشاء غرف مغلقة عند نقاط التحويل والتكسير لمنع تطاير الغبار. إضافة إلى وضع أنظمة رصد مستمرة من خلال تركيب أجهزة قياس لحظية للانبعاثات متصلة بغرفة التحكم وبجهاز الرقابة البيئية (مديرية البيئة في طرطوس)، لضمان عدم تجاوز الحدود المسموحة. وأخيرًا، ضرورة إدارة مصادر التلوث الثانوية بمعالجة أكوام المواد الأولية (الكلنكر) بوضعها في صوامع مغلقة أو باستخدام رشاشات مياه أوتوماتيكية لمنع تطاير الغبار بفعل الرياح.
وفيما يتعلق بحماية الغطاء النباتي والتربة (الآثار الخارجية)، وصف الخبير البيئي هذا الأمر بأنه “موضوع ذو شجون”، لارتباطه بتشغيل المعمل لعقود طويلة دون معايير بيئية، مما أدى إلى تأثيرات سلبية على المساحات الخضراء والتربة المحيطة، داعيًا لاتخاذ إجراءات تعويضية ووقائية حقيقية. وأوضح جنيدي أن هذه التأثيرات السلبية ستظهر من خلال دراسة تقييم الأثر البيئي المحدثة الموصى بها، والتي ستتطرق لقياس العديد من المؤشرات بما فيها قياس التلوث الحالي للتربة والمياه الجوفية والجوانب الحيوية للنباتات في المناطق المتأثرة.
كما سيكون من الممارسات الجيدة، وفق الخبير، البحث في معالجة التربة الملوثة نتيجة لتراكم الغبار الأسمنتي، الذي أدى إلى تغيير في “الأس الهيدروجيني” للتربة وكيميائيتها، وأسهم في تصلبها، وبالتالي إخراجها من الاستثمار الزراعي. ولفت الخبير إلى أهمية وجود برنامج تشجير تعويضي باستخدام أشجار ونباتات مقاومة للغبار والظروف القلوية، لإنشاء حزام أخضر عازل حول المصنع. وأوصى جنيدي بأهمية أن تولي خطة الإدارة البيئية التي ستتمخض عن المراجعة البيئية اهتمامًا بموضوع إدارة الموارد المائية، من خلال التحقق من أن مياه غسل “الفلاتر” والتبريد لن يتم تصريفها بشكل عشوائي إلى الأراضي الزراعية أو الوديان المجاورة، بل إعادة تدويرها ضمن نظام مغلق أو معالجتها قبل التصريف.
من الحكمة والعدل، بحسب جنيدي، أن يتم العمل على تعويض المتضررين من تشغيل المعمل، بالاستناد إلى القوانين السورية والحالات المشابهة. ويمكن الاستناد إلى قانون البيئة رقم “50” لعام 2024، والمادة “51” من المرسوم التشريعي رقم “14” لعام 2020، الذي ينص على مسؤولية الملوث عن دفع التعويضات وإعادة التأهيل البيئي. كما أن القانون المدني السوري، في المادة “163” وما بعدها، يجيز المطالبة بالتعويض عن الضرر المادي والأدبي متى ثبت سبب الضرر والعلاقة السببية.
وفي سياق متصل، أعلن مدير مشروع الاستثمار في شركة “QZ”، أحمد سلمى، أنه تم استيراد مادة “الكلنكر” الأساسية لصناعة الأسمنت من مصر والسعودية. ويجري حاليًا تجهيز المطاحن وخطوط التعبئة تمهيدًا لبدء عمليات الإنتاج في طرطوس، مؤكدًا أن المشروع يولي اهتمامًا كبيرًا للجانب البيئي، حيث سيتم اعتماد حلول حديثة للحد من التأثيرات وتحسين الواقع البيئي في المنطقة.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد