من التقاعد إلى العطاء: فيليبيني يحوّل منزله إلى مكتبة عامة مجانية لزرع بذور العلم والأمل


هذا الخبر بعنوان "تقاعَدَ فَعَقَدَ بيته مكتبة عامة (1)" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣١ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لطالما آمن هنري زغيب بأن الكتاب الذي لا يُقرأ يظل كأنه لم يولد بعد، وأن مفهوم "التقاعد" ليس إلا "تعاقدًا" جديدًا مع المجتمع في مرحلة النضج. تجسيدًا لهذه الفكرة، قام الفيليبيني هرناندو غْوانْلاوْ، المعروف بـ"مانْغْ ناني"، بتحويل منزله إلى مكتبة عامة مجانية. تفتح هذه المكتبة أبوابها لكل من يرغب في استعارة كتاب ليأخذه إلى منزله، دون اشتراط إعادته أو استبداله بكتب أو مجلات أخرى.
يقع "نادي 2000 للقراءة"، الذي بات يُعرف بـ"مكتبة مانغ ناني العامة"، في موقع بارز عند ناصية شارع بالاغْتاسْ، بحيّ لاپاز في مدينة ماكاتي، إحدى ضواحي العاصمة الفيليبينية مانيلَّا. تفتح هذه المكتبة أبوابها على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، وتقدم لزوارها مجموعة واسعة من الكتب المدرسية والروايات والقواميس والموسوعات، بالإضافة إلى مستلزمات القراءة وأدوات الكتابة.
وُلد مانغ ناني حوالي عام 1950، وفي عام 2000 أسس "نادي 2000 للكتاب" بهدف تشجيع مواطنيه على القراءة. بدأ مشروعه بخمسين كتابًا في ذلك العام، مع إيمان راسخ بأنها ستحمل تغييرًا كبيرًا في حياة القراء. لذلك، حول منزله إلى مكتبة، ووضع الكتب على المصطبة أمام الباب دون أي شروط أو متطلبات؛ فلا حاجة لبطاقة مكتبة للاستعارة، ولا لبطاقة هوية للمستعيرين. واليوم، وصل عدد المستعيرين إلى المئات، مدفوعًا بإيمانه بأن حب الكتاب قادر على تغيير نمط الحياة وإيقاعها.
من أبرز شعارات مانغ ناني: "إذا وقعت في مشكلة، اقرأ كتابًا، تهدأ وتحل مشكلتك". ومن هذا المنطلق، أسس "نادي الكتاب"، الذي لا يعتبره مجرد مكتبة عامة، بل "رسالة حية للقوة التغييرية في المعرفة وفي قيمة السخاء". ويؤمن بأنه طالما توافد القراء المتعطشون للعلم، سيستمر بيته المتواضع في أداء رسالة العطاء، ومبدأ محو الأمية وزرع العلم. هدفه ليس بناء الأحياء السكنية، بل زرع بذور الأمل والفضول العلمي ومثابرة أبناء المدينة، وتعزيز التضامن بينهم لنقل هذه الرسالة إلى الأجيال القادمة.
يسعد مانغ ناني برؤية زواره يصلون إلى باحة بيته المسقوفة، حيث يتفحصون رفوف الكتب الخارجية بفرح الاكتشاف، ثم يدخلون إلى الداخل ليجدوا آلاف الكتب المصنفة والمنظمة، جاهزة للاستعارة المجانية في أي وقت من الليل أو النهار. يمكن للزوار أخذ كتاب أو أكثر، ويمكنهم، اختياريًا، ترك تبرعات نقدية في صندوق صغير خاص عند الباب، تُستخدم لشراء لوازم إضافية وكتب جديدة. هذا النهج أكسبه ثقة الجميع، وتأتيه هبات متتالية من الكتب. وللحفاظ على هذه الثقة، لا يضع مانغ ناني أي ثمن على غلاف أي كتاب.
يضم زوار المكتبة طلابًا وأساتذة جامعيين، يأتون لتقليب الكتب المتنوعة والمجلات المكدسة على الأدراج. غالبًا ما يتولى أولاده مهمة تنظيم الرفوف، لكن ما زالت المكتبة تفتقر إلى دليل يشير إلى عناوين الكتب لتسهيل العثور عليها واكتشاف محتواها.
كيف بدأت هذه المبادرة؟ كان مانغ ناني يعمل خبير محاسبة. بدأ مشروعه عام 2000 بخمسين كتابًا فقط وجدها بين رفوف خزانته، وأطلق عليه منذ البداية اسم "نادي 2000 للكتاب". في البداية، بدا المشروع كعرض تجاري لبيع الكتب على منصة عادية، على غرار أي مكتبة تجارية. وقد دعا جيرانه ومحيطه لزيارة منصته، مؤمنًا بأن الكتب لا تكتسب حياة فاعلة إلا إذا خرجت من مخابئها، لتنبض بالحياة حينئذ.
عندما بدأ مانغ ناني مشروعه، كان يمر بضائقة مالية شديدة، حيث كان يكاد لا يؤمن معيشة زوجته وأولاده الثلاثة. ومع ذلك، قرر التقاعد ومواجهة قدره لخدمة مواطنيه، مدركًا أنه يخاطر ويغامر. ساندته زوجته (التي توفيت العام الماضي بصعقة دماغية) منذ بداية المشروع، مؤمنة برؤيته الهادفة إلى تثقيف الحي والبلدة والمدينة من خلال اقتناء الكتب والاعتياد على القراءة. وكان يعينها على تحمل الصعاب قول زوجها: "إن لم تؤمن قوتًا ليومك، فذلك يعني يومًا واحدًا لا سائر الأيام".
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة