الليرة السورية تحت الضغط: ارتفاع أسعار السلع الأساسية وتحديات الاقتصاد المحلي


هذا الخبر بعنوان "فاتورة المستوردات تضغط على الليرة.. ارتفاع بأسعار السلع" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣١ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهدت الأسواق السورية خلال شهر آذار الجاري موجة من الارتفاعات المتتالية في أسعار السلع الأساسية، حيث سجلت المواد التموينية كالسكر والأرز قفزات سعرية ملموسة. تزامن هذا التصاعد في الأسعار مع ارتفاع ملحوظ في سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل الليرة السورية في السوق السوداء، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة المخاوف المتعلقة بقدرة الاقتصاد المحلي على تلبية الطلب المتزايد واستمرار اعتماده على الاستيراد.
يرى خبراء اقتصاديون أن هذه الارتفاعات السعرية لا تقتصر على كونها ضغوطًا لحظية تؤثر في السوق فحسب، بل هي مؤشر على خلل هيكلي عميق وطويل الأمد في السياسات الاقتصادية السورية. ففي ظل ضعف الإنتاج المحلي مقارنة بالطلب المتزايد، وتزايد الاعتماد على الواردات، لا سيما في قطاع الطاقة، تظل الليرة السورية تحت ضغط مستمر، مما يجعل أي استقرار محتمل لها هشًا ومؤقتًا. وقد ارتفع سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل الليرة السورية من 11700 ليرة (بالعملة القديمة) إلى ما يقارب 12350 ليرة، وفقًا لسعر صرف السوق السوداء ليوم الثلاثاء الموافق 31 من آذار.
عوامل انخفاض الليرة: في حديثه إلى "عنب بلدي"، عزا الخبير الاقتصادي الدكتور علي محمد الانخفاض الأخير في قيمة الليرة السورية إلى مجموعة من العوامل البنيوية واللحظية. على الصعيد اللحظي، شهد الأسبوعان الماضيان صدور قرارات تنظيمية أسهمت في زيادة الطلب على القطع الأجنبي، كان أبرزها التوجه نحو إلزام محطات الوقود بتسديد ثمن المشتقات النفطية بالدولار. وقد أحدث هذا الإجراء ضغطًا مؤقتًا على العملة المحلية قبل أن يتم التراجع عنه في نهاية الأسبوع الماضي، بهدف تفادي استمرار ارتفاع الطلب في السوق السوداء.
أما الجانب البنيوي، فيرتبط بشكل أساسي بالإنتاج. يرى الدكتور علي محمد أنه من السابق لأوانه إصدار أحكام قطعية، فبالرغم من رفع العقوبات الأمريكية المتوقع نهاية عام 2025، تحتاج الدورة الإنتاجية إلى فترة زمنية أطول لترجمة هذا الانفتاح إلى واقع ملموس. ويشدد على أن بناء سياسة اقتصادية سليمة يستحيل دون أن يكون الإنتاج ركيزتها الأساسية. ويفسر هذا الفارق الزمني استمرار السوق تحت وطأة قلة العرض المحلي والاعتماد المتواصل على الاستيراد، خصوصًا في قطاع الطاقة الذي يواجه عجزًا يوميًا يصل إلى 150 ألف برميل نفط.
ارتفاع سعر الصرف حقيقي: من جانبه، يؤكد الخبير الاقتصادي جورج خزام أن أي ارتفاع في سعر صرف الدولار هو ارتفاع حقيقي، وأي انخفاض هو وهمي، طالما استمرت السياسات التي تميل إلى تفضيل المستوردات، وتغلق المصانع، وتمنح حصانة اقتصادية مفرطة للواردات عبر رسوم جمركية منخفضة. ويحذر خزام كذلك من أن استمرار استيراد العجز بالدولار، بدلاً من تحقيق الوفرة بالليرة عبر الإنتاج المحلي، قد يؤدي مستقبلاً إلى فرض خيار إعادة طرح عملة جديدة مع حذف أصفار منها في محاولة لإخفاء التضخم. ويشدد على أن أي استقرار للليرة السورية دون وجود إنتاج حقيقي هو استقرار "وهمي".
في السياق ذاته، أشار الدكتور علي محمد إلى أن سياسات "تقييد السحوبات" المصرفية قد أسفرت عن نتائج عكسية، تجلت في ظاهرة الاكتناز المنزلي للأموال. هذا الوضع حرم الدورة الاقتصادية من السيولة النقدية الضرورية لتمويل المشاريع الإنتاجية، وجعل الدولار الأمريكي الملاذ الآمن الوحيد للحفاظ على القيمة.
انعكاس على الأسعار: تجلى ارتفاع سعر الصرف في زيادة أسعار المواد التموينية بمقدار 1000 ليرة سورية (بالعملة القديمة) للكيلو الواحد كحد أدنى لسلع مثل السكر والأرز. وقد رصد مراسلو "عنب بلدي" تفاوتًا في هذه الأسعار بين المحافظات؛ ففي حلب واللاذقية ودمشق، يبدأ سعر الأرز من 11 ألف ليرة ويرتفع تبعًا للنوع، بينما يبدأ سعر السكر من ثمانية آلاف ليرة. أما في الرقة، فقد سجل الأرز نحو عشرة آلاف ليرة والسكر تسعة آلاف. وشمل الارتفاع سلعًا أساسية أخرى، حيث بلغ سعر ليتر الزيت في اللاذقية 25 ألف ليرة، وفي حلب 24 ألفًا. وفي حين استقر سعر البندورة عند 12 ألف ليرة في معظم المناطق، سجلت البطاطا تسعة آلاف ليرة في اللاذقية، و7,500 ليرة في دمشق، و5,000 ليرة في الرقة.
اقتراحات لدعم الليرة: في إطار البحث عن حلول عملية، حدد الدكتور علي محمد خطوات أساسية لتحسين قيمة الليرة السورية. تتمثل هذه الخطوات في: أولاً، تهيئة وإصلاح آبار النفط السورية بهدف خفض فاتورة الاستيراد، خصوصًا في ظل الارتفاع العالمي لأسعار النفط والتوترات الإقليمية التي تزيد من تكلفة الفاتورة وتستنزف القطع الأجنبي. ثانياً، تبني سياسات تمكّن من استيراد المواد الأولية اللازمة للتصنيع وتهيئة البنية التحتية، للوصول إلى مستوى إنتاج يغطي احتياجات السوق المحلية ويؤمن "فائضًا تصديريًا" يعيد التوازن للعملة الوطنية.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد