سياسة

نموذج سنغافورة: كيف تحولت من جزيرة فقيرة ممزقة إلى قوة عالمية؟ دروس لسوريا في بناء الدولة والمستقبل

syriahomenews١ نيسان ٢٠٢٦ في ٠٧:٥٦ م16 مشاهدة
نموذج سنغافورة: كيف تحولت من جزيرة فقيرة ممزقة إلى قوة عالمية؟ دروس لسوريا في بناء الدولة والمستقبل

تنويه

هذا الخبر بعنوان "كيف انتقلت سنغافورة من وضعها المتخلف وطوائفها المتعددة إلى دولة متحضرة متطورة وغنية ..وهل يمكن الاستفادة من تجربتها لسوريا الأمل والمستقبل ؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ نيسان ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

يرى المهندس مكرم عبيد أن تحويل سنغافورة من جزيرة فقيرة، ممزقة عرقياً وطائفياً، ومحاطة بالأعداء في عام 1965، إلى واحدة من أغنى وأرقى دول العالم، يمثل "المختبر" الأهم الذي يمكن لسوريا والعديد من الدول الاستفادة منه. لقد قامت معجزة سنغافورة على يد "لي كوان يو" وفريقه عبر ثلاث ركائز صارمة، نجحت في تحويل "التعددية" من قنبلة موقوتة إلى مصدر قوة.

الركائز الأساسية لنهضة سنغافورة:

  1. فرض "الهوية الوطنية" فوق العرق والدين: عند الاستقلال، كان المجتمع السنغافوري يتكون من غالبية صينية وأقليات ماليزية وهندية، وشهد صراعات دموية وتفجيرات. لم تعلن سنغافورة نفسها "دولة صينية" رغم الأغلبية العددية للصينيين، بل أعلنت نفسها دولة متعددة الأعراق. كما اعتمدت اللغة الإنجليزية لغة رسمية للإدارة والتعليم، كونها لغة محايدة توحد الجميع وتفتح لهم أبواب الاقتصاد العالمي، بدلاً من لغات المكونات المتصارعة.

  2. سياسة "الاختلاط القسري" في السكن: كان هذا الإجراء ذكياً لمنع قيام "كانتونات" أو "غيتوهات" طائفية. فقد فرضت الحكومة قانوناً يحدد توزيعاً عرقياً معيناً في كل مبنى سكني حكومي، حيث يعيش 80% من السكان. أدت هذه السياسة إلى تعايش يومي بين الصينيين والماليزيين والهنود في نفس المباني، مما منع نشوء مناطق مغلقة قد تنطلق منها حركات تمرد أو "فزعات" طائفية.

  3. "الجدارة" (Meritocracy) كدين للدولة: بدلاً من المحاصصة الطائفية أو العرقية، اعتمدت سنغافورة مبدأ الجدارة المطلقة، حيث يكون المنصب للأكفأ فقط، بغض النظر عن اسمه أو دينه. كما تم وضع أقسى القوانين لمكافحة الفساد والمحسوبية. عندما يرى المواطن أن القانون يطبق على الجميع بالتساوي، وأن "ابن المسؤول" يحاكم مثل أي مواطن آخر، تنمو لديه الثقة في "دولة القانون" ويتخلى عن البحث عن حماية "الطائفة".

عناصر إضافية للنجاح:

  • العقد الاجتماعي: "الرفاه مقابل القانون": أدركت القيادة السنغافورية أن الجائع لا يبحث عن ديمقراطية، بل عن "من يطعمه"، وغالباً ما يجد ذلك في طائفته. لذا، ركزت الدولة على بناء اقتصاد قوي وتعليم عالمي. عندما امتلك المواطن السنغافوري (مهما كان دينه) منزلاً ووظيفة محترمة وتأميناً صحياً وجواز سفر قوياً، أصبح خوفه على ضياع هذه المكتسبات أكبر من رغبته في الانجرار خلف صراع طائفي.

  • الصرامة في حماية "السلم الأهلي": يعاقب قانون سنغافورة بشدة (بالسجن والغرامات الباهظة) على أي خطاب كراهية أو ازدراء للأديان، حتى في وسائل التواصل الاجتماعي. القانون هناك "لا يمزح" في قضايا الفتنة، مما جعل التعدي على دور العبادة أو الرموز الدينية أمراً انتحارياً لصاحبه.

دروس لسوريا:

تثبت تجربة سنغافورة أن "الأكثرية والأقلية" ليست قدراً محتوماً، بل هي نتيجة لغياب الدولة. في سنغافورة، لم "تبتلع" الأكثرية الصينية الآخرين، بل خضعت لنفس القانون. المطلوب في سوريا ليس "إلغاء" الطوائف، بل "تحييدها" عن السياسة. المفارقة المؤلمة هي أنه بينما استثمرت سنغافورة في "الإنسان" كحجر زاوية لانطلاقتها، نرى اليوم في سوريا يسود "الخوف" عند مجموعات سكانية متعددة وتتعزز الهويات الفرعية.

يبدأ انتقال سوريا من اللحظة التي يُعامل فيها السوري في كل المناطق ومن كل المكونات كـ "رقم وطني" له نفس الحقوق، وليس كـ "رعية" تحتاج لحماية زعيم أو مجموعات مسلحة. فقصة سنغافورة هي النموذج الأبرز لكيفية تحويل "اللعنة" (التعددية المتصارعة والفقر) إلى "نعمة" (الاستقرار والغنى).

الخلاصة: سنغافورة تثبت أن الإرادة السياسية الصادقة التي تضع "القانون فوق الجميع" وتكافئ "الكفاءة لا الطائفة"، تستطيع تحويل بلد مدمر ومقسم إلى جنة اقتصادية في جيل واحد فقط. فالأموال تتدفق دائماً إلى الأماكن التي تسود فيها دولة القانون والنظام، وتهرب من الأماكن التي يسود فيها الخوف والمحسوبية.


معلومات إضافية عن سنغافورة:

1. ديانات ومكونات الشعب في سنغافورة:

سنغافورة مجتمع "متعدد الأديان والأعراق" بشكل عميق، ولم تسمح لأي طرف بفرض هويته على الآخر:

  • المكونات العرقية: صينيون (نحو 74%)، ماليزيون (13%)، هنود (9%)، ومكونات أخرى.
  • التركيبة الدينية (حسب إحصاءات 2024-2026):
    • البوذية: 31% (الأكثرية العددية).
    • بلا دين (ملحدون): 20%.
    • المسيحية: 19%.
    • الإسلام: 15% (غالبيتهم من المكون الماليزي).
    • الطاوية: 8%.
    • الهندوسية: 5%.
    • أديان أخرى (سيخ، يهود، زردشتيين): نحو 2%.

2. القفزة الاقتصادية (دخل الفرد):

ما حققته سنغافورة يُعد معجزة بالأرقام المطلقة:

  • عام 1965 (سنة الاستقلال): كان دخل الفرد السنوي نحو 500 دولار أمريكي فقط. كانت الجزيرة تعاني من بطالة هائلة، بيوت صفيح، واقتصاد يعتمد فقط على الميناء الاستعماري القديم.
  • عام 2026 (اليوم): يقدر دخل الفرد السنوي بنحو 97,000 دولار أمريكي (وقد يتجاوز 160,000 دولار بحساب القوة الشرائية).
  • النتيجة: تضاعف الثراء بأكثر من 190 مرة في غضون 60 عاماً.

3. من أين جاءت الأموال؟ (كيف بدأت البرامج؟):

سنغافورة لم تملك نفطاً ولا غازاً، بل ولا حتى مياه شرب (كانت تستوردها من ماليزيا). حصلت على الأموال عبر استراتيجيات غير تقليدية:

  • صندوق الادخار المركزي (CPF): فرضت الحكومة قانوناً يُجبر كل عامل وصاحب عمل على ادخار نسبة من الراتب في صندوق وطني. هذه "المدخرات الإجبارية" وفرت للدولة سيولة ضخمة (رأس مال داخلي) استخدمتها لبناء المساكن والبنية التحتية دون الحاجة للاقتراض الخارجي المذل.
  • مجلس التنمية الاقتصادية (EDB): تأسس برأس مال متواضع (نحو 100 مليون دولار حينها)، وكانت مهمته "طرق أبواب" الشركات العالمية مثل جنرال إلكتريك وهيوليت باكارد. قدمت سنغافورة "إغراءات ضريبية" وبيئة "صفر فساد" مقابل أن تفتح هذه الشركات مصانعها هناك وتوظف السنغافوريين.
  • تأميم الأراضي: سيطرت الدولة على معظم الأراضي بموجب قانون "استملاك الأراضي" لعام 1967، مما سمح لها ببناء مدن صناعية ومناطق سكنية بتكلفة منخفضة جداً، وجذب الاستثمارات الأجنبية (FDI) التي تدفقت بالمليارات.
  • الاستثمار في "الموقع": حولوا الميناء من مجرد محطة استعمارية إلى أكبر مركز لوجستي في العالم، واستغلوا انفصال الدولار عن الذهب في السبعينات ليحولوا سنغافورة إلى مركز مالي عالمي (سوق الدولار الآسيوي).

4. كيف منعت التمييز؟

لم تكن الأموال وحدها كافية دون "السلم الأهلي":

  1. المواطنة فوق العرق: رفض "لي كوان يو" اعتبار سنغافورة "دولة صينية" رغم أغلبية الصينيين، لكي لا يشعر الماليزي أو الهندي بأنه "مواطن درجة ثانية".
  2. اللغة الإنجليزية: فُرضت كلغة محايدة للجميع، مما سحب البساط من "القوميين" الذين أرادوا فرض لغاتهم العرقية.
  3. العدالة الصارمة: أي اعتداء على مسجد أو كنيسة أو معبد كان يُقابل بعقوبات قاسية جداً تصل للسجن الطويل، مما جعل "الفتنة" تجارة خاسرة للجميع.

(أخبار سوريا الوطن-صفحة الكاتب)

شارك الخبر: