جدل قانوني واقتصادي حول إسناد إدارة 500 مركز لـ”السورية للتجارة” لشركات أجنبية


هذا الخبر بعنوان "شركة خارجية لإدارة 500 مركز تابع لـ”السورية للتجارة”" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
كشف نائب وزير الاقتصاد والصناعة لشؤون التجارة الداخلية وحماية المستهلك، ماهر الحسن، أن المؤسسة السورية للتجارة تجري مشاورات مع شركات كبرى من السعودية وقطر وتركيا. تهدف هذه المشاورات إلى اختيار إحداها لتكون شريكًا في إدارة 500 مركز تجاري تابع للمؤسسة، موزعة على مختلف المحافظات السورية.
أثارت هذه الخطوة استهجانًا واسعًا وتساؤلات حول مبررات الاستثمار في قطاع استهلاكي غير إنتاجي. أوضح الحسن أن التوجه يقوم على إشراك شركة ذات طابع شعبي، تركز على توفير المواد الأساسية التي تهم الشريحة الكبرى من المواطنين، مع تأمين كامل السلة الغذائية من الخضار والفواكه إلى اللحوم، وبأسعار تنافسية. ومع ذلك، برزت اعتراضات على قانونية العمل على استثمار مئات المراكز دون إعلان شفاف ومنافسة مفتوحة.
تناولت المحامية آلاء يونس، من البرنامج السوري للتطوير القانوني، الجوانب القانونية لإسناد إدارة وتشغيل مئات الصالات إلى شركة واحدة. وفي حديثها إلى عنب بلدي، أشارت يونس إلى أن الأصل في الصفقات التي تأخذ صيغة توريد أو تشغيل أو امتياز مع جهة عامة، هو اعتماد مسار تنافسي مُعلن. وأكدت أن تجاوز الإعلان والمنافسة يضعف مشروعية القرار ويجعله عرضة للطعن بالإلغاء أمام القضاء الإداري.
وفيما يتعلق بمنح إعفاءات جمركية لمشغل واحد بهدف خفض أسعار سلع استهلاكية، بيّنت يونس أن الإعفاءات المنصوص عليها في قانون الاستثمار ترتبط أساسًا بمستلزمات المشروع الإنتاجية كالمعدات وخطوط الإنتاج، لا بالسلع الاستهلاكية العامة. وأضافت أن أي إعفاء انتقائي خارج هذا الإطار يتطلب سندًا قانونيًا واضحًا، وإلا عُد تمييزًا غير مبرر.
أشارت المحامية يونس إلى أن القانون السوري يجيز، من حيث المبدأ، إدارة شركة أجنبية لمرافق أو مراكز تابعة لجهة عامة، بشرط الالتزام بصيغة قانونية صحيحة، مثل عقود التشاركية أو العقود العامة، واستيفاء المتطلبات الإجرائية داخل البلاد. وحذرت من أن منح 500 صالة لطرف واحد قد يؤدي إلى نشوء مركز مهيمن في عدد من المدن أو المحافظات، مما ينعكس سلبًا على المنافسة في السوق المحلية.
ووفقًا للمحامية، يحظر قانون المنافسة إساءة استغلال المركز المهيمن، ويبطل الاتفاقات التي تمنع دخول المنافسين أو تتلاعب بالعروض والمناقصات. وشددت على أن عدم نشر تفاصيل الصفقة لا يندرج ضمن إطار الجدل الإعلامي فحسب، بل يحمل أبعادًا قانونية مباشرة، لأن قانون التشاركية يجعل الشفافية وسلامة الإجراءات هدفًا ملزمًا، والدستور يمنع تحصين القرارات الإدارية من رقابة القضاء، وغياب النشر يجعل الإجراء أضعف أمام الطعن والشبهات.
ترى المحامية في البرنامج السوري للتطوير القانوني آلاء يونس، أن أي شركة خاصة تتولى إدارة هذه الصالات تُعامل قانونًا كبائع أو مورد، بما يشمل المستورد وبائع الجملة والمفرق، ويُسأل عن السعر والفاتورة وحجب السلع، ويمكن مساءلة الشركة كشخص اعتباري جزائيًا.
في تعليق على هذا التوجه نحو اختيار شركة أجنبية لإدارة 500 مركز لـ”السورية للتجارة”، قال الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي مجدي الجاموس، لعنب بلدي، إن مشروع إعادة هيكلة وتشغيل هذه المراكز من قبل شركات أجنبية، يمكن أن يشكل خطوة إيجابية للاقتصاد السوري، في حال جرى تنفيذه وفق رؤية تنظيمية واضحة. وأضاف الجاموس أن معظم المراكز خارج الخدمة، ما يجعل إعادة تأهيلها وتسليم إدارتها لجهات محترفة فرصة لتحسين مستوى الخدمات، وضبط الأداء، وخلق فرص عمل جديدة.
إلا أنه من الأفضل، بحسب رأي الجاموس، إشراك الشركات السورية القادرة على دراسة واقع السوق المحلي واحتياجاته، بحيث تكون الغاية اجتماعية وخدمية بالدرجة الأولى، لا ربحية بحتة. ولفت إلى أن ضعف البنية التحتية، وتراجع مستويات الدخل، وغياب الاستقرار التشريعي، إضافة إلى تقلبات سعر الصرف، كلها عوامل تعقّد بيئة الاستثمار، حتى بالنسبة للشركات الأجنبية. وأشار إلى أن توجه الحكومة لمنح هذه المشاريع لمستثمرين خارجيين، يندرج ضمن ما وصفه بالاقتصاد الهرمي، عبر إعطاء هذه المشروعات لمستثمرين خارجيين لقيادة عملية إعادة الهيكلة في بعض القطاعات، ومحاولة الاستناد إليها لترميم البنية التحتية.
فيما يتعلق بتأثير المشروع على الأسعار، أوضح الجاموس أن المسألة مرتبطة بطبيعة الاتفاق مع وزارة التجارة الداخلية. فإذا كانت الأهداف اجتماعية وخدمية، يمكن لهذه المراكز أن تلعب دورًا مهمًا في ضبط الأسعار وتطوير آلية التسعير، وبالتالي قد تكون مهيمنة إلى حد ما على السوق. أما إذا غلب الطابع الربحي، فقد يؤدي ذلك إلى إعادة توزيع السوق بما يخدم الشريحة ذات الدخل المرتفع، التي لا تتجاوز نسبتها 10-11% من السكان، مقابل نحو 89% يعيشون تحت خط الفقر، بحسب الخبير.
آليات التسعير والدعم مرشحة للتغيير، بحسب الجاموس، إذ إن أغلبية الشركات الاستثمارية تنطلق من اعتبارات ربحية، في حين تفتقر السوق السورية أساسًا إلى منظومة تسعير واضحة ومستقرة. ورجح أن هذه الشركات قد لا تتجه بطبيعتها إلى دعم ذوي الدخل المحدود، بل إلى التركيز على الشريحة ذات الدخل المتوسط والمرتفع، عبر تصميم خدمات ومنتجات تلبي احتياجاتها. وفي المقابل، أشار إلى أن توجيه آلية السوق نحو الشريحة الكبرى من ذوي الدخل المحدود يبقى ممكنًا، بشرط الاستناد إلى دراسة دقيقة لواقع دخول الأفراد في سوريا، واعتماد سلاسل توريد واضحة. وبحسب الخبير الاقتصادي، فإن الاستفادة من سلاسل التوريد المستوردة قد تتيح طرح السلع بأسعار قريبة من التكلفة الحالية أو أقل، إلا أن ذلك قد ينعكس سلبًا على المنتج المحلي، ويؤدي إلى تراجعه أو خروجه من السوق.
أكد الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي مجدي الجاموس أن توفير بيئة قانونية وتنظيمية مستقرة، وتوحيد آليات التعامل النقدي، يمكّنان هذه المراكز من أداء دور قيادي في ضبط فوضى التسعير، مع الحفاظ على توازن مدروس بين السلع الوطنية والمستوردة، لا سيما في المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية الأساسية. وأشار إلى أن أكثر من نصف المستهلكين في العالم، بنحو 53%، يفضلون السعر على الجودة، ما يجعل عنصر التسعير الجاذب عاملًا حاسمًا في نجاح التجربة. ومن جانب الجودة، أوضح أن دخول شركة أجنبية يقتضي تطبيق معايير سلامة غذائية وأنظمة جودة معتمدة دوليًا، إلا أن ذلك قد يرفع التكلفة النهائية. ولفت إلى إمكانية التمييز بين السلع الأساسية الموجهة لذوي الدخل المحدود، والتي يُفترض أن تراعي التوازن بين الجودة والسعر، والسلع الكمالية التي سترتفع فيها الجودة والتكلفة معًا.
فيما يتعلق بإدارة المخازن، شدد الأستاذ الجامعي مجدي الجاموس على أن نجاح المشروع في مراحله الأولى يعتمد بصورة كبيرة على كفاءة إدارة المستودعات وسلاسل التوريد، وتطبيق أنظمة رقابة وتتبع حديثة، وتأمين تجهيزات تبريد وحفظ ملائمة للمواد الغذائية. وأكد أن فعالية هذه المنظومة ترتبط بشكل مباشر بواقع البنية التحتية، ولا سيما توفر الكهرباء واستقرارها، إضافة إلى قدرتها على خلق فرص عمل مع تحسين مستويات الدخل. وختم الجاموس بالتأكيد على أن نجاح التجربة مرهون بتحقيق توازن دقيق بين تحسين الجودة وضبط الأسعار، بما يضمن تنظيم السوق.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد