حلب: أملاك النازحين المغتصبة.. صراع قانوني معقد وتحديات استعادة الحقوق بعد سنوات من النزوح


هذا الخبر بعنوان "قضايا الأملاك المغتصبة في حلب.. مناشدات الضحايا تصطدم بتعقيدات قانونية" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بعد سنوات من النزوح القسري، يجد عدد كبير من سكان حلب أنفسهم أمام واقع مرير عند محاولتهم العودة إلى ديارهم، حيث لم تعد منازلهم التي غادروها خلال سنوات الثورة كما كانت، بل تحولت في كثير من الحالات إلى بؤرة نزاع قانوني معقد. يعود هذا الوضع إلى إشغال هذه العقارات أو التصرف بها بطرق غير قانونية خلال فترة غياب أصحابها الأصليين. وتأتي هذه التداعيات كامتداد لمرحلة شهدت استيلاء جهات مرتبطة بالنظام على أملاك معارضين وغائبين، منذ انقسام المدينة بين أحياء شرقية كانت تحت سيطرة المعارضة، وأخرى غربية خاضعة لسيطرة النظام، مما أسهم في تعقيد هذا الملف وتراكم تداعياته حتى اليوم.
يركز هذا التقرير على حالات الاستيلاء التي طالت منازل تعود لسكان غادروا مناطقهم، خصوصاً من المعارضين أو الغائبين، حيث جرى إشغال هذه العقارات أو التصرف بها خلال فترة غياب أصحابها، قبل أن تتحول لاحقاً إلى نزاعات قانونية مستمرة. وبحسب شهادات متقاطعة، فإن وضع اليد تم في عدد كبير من الحالات من قبل عناصر ميليشياوية محسوبة على نظام الأسد، وبتغطية من قبل ضباط في النظام، وبتسهيل من محامين، وبتواطؤ من القضاء، وفقاً لاتهامات عدد كبير من المتضررين ممن التقت بهم سوريا 24.
مع عودة السكان إلى أحيائهم، برزت مشكلات تتعلق بوجود أشخاص داخل منازلهم، أو بتغيير الوضع القانوني للعقار، سواء عبر البيع أو نقل الملكية أو تثبيت وضع اليد. وتشير معطيات متقاطعة من تقارير ميدانية إلى تسجيل مئات الشكاوى في هذا الملف، تم التعامل مع جزء منها، فيما لا تزال قضايا أخرى قيد النظر أو التنفيذ، في ظل تعقيدات قانونية مرتبطة بوثائق الملكية وتعدد البيوع. وتظهر هذه الحالات نمطاً متكرراً يتمثل في بيع العقار أكثر من مرة خلال فترة غياب مالكه، في محاولة لتعقيد مسار استعادته وإضعاف موقفه القانوني.
في محاولة لمعالجة هذا الملف، شكلت بعد سقوط النظام لجان محلية، أبرزها لجنة “الغصب البين” في مدينة حلب، والتي عملت ضمن إطار قانوني لمعالجة التعديات على عقارات المهجرين وإعادة الحقوق إلى أصحابها. وبحسب تقارير صادرة عن محافظة حلب، تقدم مئات المتضررين بشكاوى أمام اللجنة، حيث سجل نحو 624 طلباً حتى منتصف عام 2025، جرى التعامل مع 411 منها، فيما أزيل الغصب عن 88 حالة فقط، مع إحالة عدد من الملفات إلى القضاء المدني بسبب تعقيدها أو خروجها عن اختصاص اللجنة. وبذلك، لم تتجاوز نسبة الحالات التي أزيل التعدي عنها فعلياً 15% من إجمالي الطلبات، ما يعكس حجم الفجوة بين الشكاوى والنتائج. وفي مرحلة لاحقة من العام ذاته، بلغ عدد الطلبات نحو 700، وأحيل قرابة 400 منها إلى الجهات المختصة، بينما لم تشمل قرارات إزالة الغصب سوى عشرات الحالات. وبالتوازي مع إجراءات التقاضي، شهد القصر العدلي في المدينة احتجاجات للمطالبة باستعادة العقارات المغتصبة، وسط اتهامات من متضررين بعدم التوصل إلى تسوية منصفة. وفي موازاة عمل اللجان، برز توجه نحو نقل هذه القضايا إلى مسار قضائي أوسع، مع الحديث عن تخصيص محاكم للنظر في نزاعات العقارات، بهدف توحيد الاجتهاد وتسريع الفصل فيها، خاصة في ظل تعقيدات مرتبطة بالتزوير وتعدد البيوع وصعوبة إثبات الملكية.
تعكس شهادات المتضررين حجم التعقيد الذي يحيط بهذا الملف، إذ يقول محمد أبو عبدو إنه اضطر إلى بيع منزله قبل التحرير بأسابيع مقابل نحو ألف دولار فقط، رغم أن قيمته الحالية تتراوح بين 12 و14 ألف دولار، مشيراً إلى أن ذلك جاء بعد ما وصفه بابتزاز، وبقاء قضيته منظورة أمام القضاء لأكثر من ست سنوات دون حل. ويضيف أنه يشعر بمرارة شديدة، مؤكداً أنه لا ينوي العودة إلى القضاء مجدداً، نظراً لطول وتعقيد المسار. في المقابل، يروي محمود عزيزة أن منزله في حي باب النيرب، ضمن المنطقة العقارية رقم 11، تم الاستيلاء عليه عام 2020 بعد سنوات من تهجيره، رغم امتلاكه وثائق رسمية تثبت ملكيته. ويقول إنه تقدم بشكوى أمام لجنة إزالة الغصب، التي أصدرت قراراً بإعادة العقار إليه، إلا أن التنفيذ لم يتم حتى الآن، مع استمرار النزاع أمام القضاء. ويضيف أن العقار دخل في سلسلة من عمليات البيع المتعددة، ما أدى إلى ظهور أطراف عدة تدعي ملكيته، وهو ما ساهم في تعقيد الملف وإطالة أمد التقاضي. كما يشير إلى أن طول الإجراءات وغياب الحسم السريع يزيدان من معاناة المتضررين، في ظل عدم القدرة على الانتفاع بالعقار أو استثماره، إلى جانب الأعباء المالية المرتبطة بمتابعة القضية. كما تستعيد أم محمد حادثة تعود إلى عام 2018، حين منعت من دخول منزلها في حي صلاح الدين، وتعرضت للتهديد لإجبارها على عدم العودة إليه. وفي شهادة أخرى، يقول المحامي أحمد محمود إنه غادر منزله في حي صلاح الدين عام 2012، قبل أن يتم الاستيلاء عليه لاحقاً، حيث استخدم العقار لتوليد عائد إيجاري لصالح أحد الضباط، مشيراً إلى أنه استعاد منزله بعد التحرير، لكنه يتساءل عن حقه في التعويض عن سنوات الحرمان من استخدامه.
بدوره، يروي محمد حاج قاسم تفاصيل قضيته، موضحاً أنه يملك عقاراً في حي صلاح الدين، وقد تم الاستيلاء عليه عام 2020 من قبل أحد أقاربه المرتبطين بالأمن العسكري. ويقول إن قريبه طالبه بدفع 5000 دولار مقابل إعادة العقار، مرفقاً ذلك بتهديد مباشر، في ظل غياب بيئة قانونية آمنة حالت دون تقديم شكوى في ذلك الوقت. ويضيف أن العقار بيع لاحقاً خمس مرات عبر سلسلة من العقود التي وصفها بالوهمية، في محاولة لتعقيد الوضع القانوني. وبعد عودته، فوجئ بشخص يقطن المنزل يرفض إخلاءه بحجة الشراء، فيما أبلغ بأن عمليات البيع مستوفية للشكل القانوني. ووفقاً لمحمد، فإنه استشار عدداً من المحامين أظهروا صعوبة استعادة العقار حالياً، بسبب استمرار عمل الطاقم القضائي السابق، ما دفعه إلى عدم رفع دعوى قضائية خشية خسارته بشكل نهائي.
في عدد من القضايا، تظهر إشكاليات تتعلق بوجود عقود أو وثائق متنازع عليها، أو بادعاءات شراء خلال فترة غياب المالك، وخاصة في أحياء المخالفات، ما يؤدي إلى نزاعات متعددة الأطراف يصعب حسمها ضمن المسار القضائي التقليدي. وفي هذا السياق، قال المحامي بشر حاوي لموقع سوريا 24 إن ملف العقارات المغتصبة يعد من أكثر الملفات تعقيداً، نظراً لتعدد أشكال الانتهاكات وتداخل الجهات المرتبطة به. وأوضح أن الاستيلاء اتخذ أشكالاً متعددة، منها الاستملاك والمصادرة ووضع اليد والتزوير، مشيراً إلى أن المشكلة تتفاقم في حالات بيع العقار أكثر من مرة. وأكد أن مسار التقاضي التقليدي غير كاف لمعالجة هذا الحجم من القضايا، داعياً إلى إنشاء مسار قضائي متخصص. وحذر حاوي من أن التباطؤ في معالجة الملف قد يؤدي إلى تداعيات اجتماعية خطيرة، مشيراً إلى تسجيل عدد من الحالات لاقتحام حرمة المنازل من قبل عدد من المتضررين.
مع استمرار تعقيد الملف، لم تعد هذه القضايا محصورة في أروقة القضاء، بل انتقلت إلى الفضاء العام، حيث تتزايد شكاوى المتضررين على مواقع التواصل الاجتماعي. وفي هذا السياق، كتب مهنا جفالة، وهو قيادي سابق في فصائل المعارضة بحلب: “أوجدوا حلاً لأملاكنا المغتصبة.. من وجدناهم في بيوتنا دخلوا المحاكم، ويطالبوننا بهذه الأملاك، بل إن هناك أحكاماً صدرت لصالحهم”. وأضاف أن شقيقه صدر بحقه حكم قضائي بالإخلاء إلى جانب حكم بالسجن، ما جعله مهدداً بالتوقيف، معتبراً أن ذلك يزيد من حالة التوتر. وتابع أن غياب وضوح المسار القانوني يثير تساؤلات لدى المتضررين حول آلية معالجة هذا الملف، خاصة في ظل شعور بعضهم بعدم الإنصاف.
تقول السلطات القضائية إنها تبذل جهوداً لتسريع الإجراءات. وفي هذا السياق، قال أحمد المحمد، مدير المكتب الإعلامي في عدلية حلب، إنه تم تسجيل 534 دعوى موثقة خلال شهر واحد، جرى البت في نحو 200 منها، ما أسفر عن استعادة عدد من العقارات عبر الصلح أو التنفيذ القضائي. وأضاف أن العمل مستمر لمتابعة بقية القضايا وتسريع البت فيها ضمن الأطر القانونية.
ورغم هذه الجهود، لا يزال ملف العقارات المغتصبة في حلب مفتوحاً، في ظل استمرار النزاعات وتعقيد الإجراءات، ما يجعل استعادة الملكية عملية طويلة بالنسبة لكثير من المتضررين. وفي ظل بطء المعالجة، تتجاوز القضية كونها نزاعاً قانونياً لتتحول تدريجياً إلى أزمة اجتماعية مرشحة للتصاعد، مع تزايد لجوء بعض المتضررين إلى وسائل غير قانونية لاستعادة حقوقهم.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي