الباغوز: سبع سنوات على سقوط داعش.. تعافٍ هش وتحديات عميقة تعصف ببلدة الفرات


هذا الخبر بعنوان "الباغوز… سبع سنوات على نهاية المعركة: تعافٍ هش يصطدم بتحديات كبيرة" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تقع بلدة الباغوز، التي تتبع إدارياً لمدينة البوكمال، على الضفة الشرقية لنهر الفرات في أقصى الريف الشرقي لمحافظة دير الزور، بالقرب من الحدود السورية-العراقية. في هذا الموقع، أُعلن في 19 آذار/مارس 2019 عن نهاية السيطرة الجغرافية لتنظيم "داعش"، في معركة لم تكن مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل كانت محطة مفصلية خلّفت آثاراً عميقة لا تزال البلدة تعيشها حتى يومنا هذا. ورغم مرور سبع سنوات على تلك اللحظة التاريخية، تبدو الباغوز هادئة نسبياً، إلا أن هذا الهدوء الظاهري يخفي واقعاً معقداً، حيث لا تزال تداعيات المعركة حاضرة بقوة في البنية التحتية، وفي تفاصيل حياة السكان، وفي النسيج الاجتماعي الذي لم يكتمل تعافيه بعد.
في حديث خاص لـ"سوريا 24"، استعاد أحد أعيان البلدة، الذي فضل عدم الكشف عن اسمه، تفاصيل الأيام الأخيرة من المعركة، واصفاً ما شهدته الباغوز بأنه "من أقسى وأعقد تجارب الحرب". فقد عاش السكان تحت حصار خانق تزامن مع قصف مكثف من قبل قوات التحالف الدولي و"قسد"، في ظل غياب شبه تام للغذاء والدواء والمشتقات النفطية. وأضاف المصدر: "كنا محاصرين بالكامل… لا ممرات آمنة، ولا أي وسيلة للخروج". وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن ما بين 10 آلاف و20 ألف مدني كانوا محاصرين داخل الجيب الأخير، في مساحة جغرافية ضيقة لا تتجاوز كيلومتراً مربعاً واحداً، شهدت تداخلاً غير مسبوق بين المدنيين والمقاتلين. ويؤكد محدثنا أن هذا الحصار خلف آثاراً نفسية واجتماعية عميقة، تمثلت في انتشار سوء التغذية والأمراض، وتفكك واضح في البنية المجتمعية، بينما شكلت الألغام المنتشرة في محيط البلدة خطراً دائماً، متسببة بسقوط ضحايا بين المدنيين الفارين.
لم تكن معركة الباغوز مواجهة تقليدية، بل جرت ضمن رقعة جغرافية ضيقة، ما جعلها من أعقد العمليات العسكرية. في هذا السياق، أعلنت "قسد" حينها عن إجلاء نحو 34 ألف مدني منذ بداية عام 2019، كما أشارت إلى استسلام ما يقارب 29,600 شخص من عناصر التنظيم وعائلاتهم، من بينهم أكثر من 5,000 مقاتل. بالتوازي، قدرت القيادة المركزية الأمريكية أن أكثر من 60 ألف شخص غادروا الجيب الأخير خلال الأسابيع التي سبقت إعلان نهاية المعركة، بينما أفادت بيانات الأمم المتحدة بتدفق أكثر من 62 ألف نازح إلى مخيم الهول. ويؤكد شاهدنا أن هذه الأرقام تعكس حجم التعقيد الذي شهدته المنطقة، حيث امتدت المعركة لنحو 43 يوماً من القتال المكثف، في ظل وجود آلاف المدنيين واستخدام التنظيم لأساليب قتالية معقدة.
في 19 آذار/مارس 2019، أُعلن رسمياً انتهاء المعركة بسقوط آخر معاقل التنظيم. وبعد دخول قوات "قسد" والتحالف الدولي، اتضح حجم الدمار الهائل الذي لحق بالبلدة. ووفقاً لتقديرات محلية نقلها شاهدنا، فقد دُمر أكثر من 1500 منزل بالكامل، بالإضافة إلى أضرار واسعة في المدارس والمرافق الخدمية، وخسائر فادحة في القطاع الزراعي. ورغم إعلان نهاية السيطرة العسكرية، يؤكد المتحدث أن التنظيم لم ينتهِ بالكامل، بل تحول إلى خلايا صغيرة تنشط بشكل متفرق، مما أبقى التهديد الأمني قائماً.
يتحدث المصدر عن موجات نزوح جماعي قاسية شهدتها البلدة في الأيام الأخيرة من المعركة، حيث خرجت آلاف العائلات سيراً على الأقدام عبر طرق وعرة، وسط ظروف جوية قاسية من البرد والمطر، هرباً من القتال والقيود التي فرضها التنظيم. وقد وثقت وكالة فرانس برس آنذاك صوراً لمدنيين في أوضاع إنسانية بالغة الصعوبة، عكست حجم المأساة. ويضيف: "رأينا أطفالاً فقدوا ذويهم… لم يكن هناك غذاء ولا دواء ولا حتى حليب للأطفال".
عقب انتهاء المعركة، خضعت الباغوز لسيطرة قوات "قسد"، ودخلت مرحلة محدودة من التعافي التدريجي، بدعم من منظمات دولية يقودها التحالف الدولي. شهدت البلدة خلال تلك الفترة تنفيذ مشاريع خدمية مدعومة من التحالف، شملت إعادة إنشاء مبنى البلدية، وتشغيل فرن مركزي، وتأهيل محطات المياه، إضافة إلى إنارة بعض الطرق وتزفيتها جزئياً، ودعم القطاع الزراعي، وترميم المدارس والمركز الصحي. كما تم، بدعم من منظمات إنسانية، انتشال نحو 640 جثة من مواقع متفرقة داخل البلدة. ورغم هذه الجهود، يؤكد الأهالي أن الخدمات لا تزال دون المستوى المطلوب، في ظل استمرار الدمار وضعف الإمكانات المتاحة.
في كانون الثاني/يناير 2026، شهدت المنطقة تحولاً ميدانياً جديداً ضمن تغيرات أوسع في شرق سوريا، حيث وافقت "قسد" على الانسحاب من محافظتي الرقة ودير الزور. وبناءً عليه، سيطرت القوات الحكومية على كامل قرى وبلدات الريف الشرقي، بما فيها الباغوز.
اليوم، وبحسب مراسلتنا، لا تزال مئات العائلات غير قادرة على العودة إلى منازلها بسبب الدمار الواسع. ويعاني القطاع التعليمي من نقص كبير، حيث تعمل ثلاث مدارس فقط، مع استخدام منازل كصفوف مؤقتة. كما يواجه القطاع الصحي نقصاً حاداً في الكوادر والتجهيزات، مما يحد من قدرته على تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان.
إلى جانب الدمار المادي، تبرز تحديات اجتماعية عميقة، خاصة لدى الأطفال الذين نشأوا في ظروف الحرب والمخيمات. "خطاب"، أحد أبناء البلدة، كان في الثانية من عمره خلال المعركة، وقضى سبع سنوات في مخيم الهول قبل أن يعود إلى بلدته. يقول: "كنت أظن أن المخيم هو الحياة…" ثم يتوقف قليلاً، قبل أن يختصر كل ما عاشه — وكل ما تحاول البلدة أن تعيد بناءه من جديد عبر زراعة الأمل في أرض جفت ينابيعها لسنوات، قائلاً: "أريد فقط أن أعيش حياة طبيعية". يقف أهالي البلدة اليوم أمام مهمة صعبة تتمثل في إعادة بناء ما تهدم، واستعادة الاستقرار، وترميم مجتمع أنهكته سنوات الحرب. وفي ظل محدودية الدعم، يبقى الأمل معقوداً على جهود محلية ودولية قادرة على تحويل هذه البلدة التي تحملت مخاض الحرب القاسية إلى فرصة لبداية حياة جديدة ومستقرة.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي