لم تكن مرحلة ذهاب الدوري السوري الممتاز مجرد تنافس على النقاط والمراكز، بل تحولت إلى ساحة واسعة للتغييرات الفنية، مما عكس حجم الضغوط التي تواجهها الأندية على مختلف المستويات. فقد شهدت المرحلة الأولى من الموسم رحيل 11 مدربًا عن مقاعدهم الفنية، سواء بالإقالة أو الاستقالة، وهو رقم لافت يؤكد حالة عدم الاستقرار الفني التي رافقت المنافسات.
في المقابل، فضلت بعض الأندية التمسك بأجهزتها الفنية رغم التحديات والنتائج المتباينة، ليصمد خمسة مدربين فقط في مناصبهم حتى نهاية مرحلة الذهاب. هذا الاستقرار النسبي لم يكن دائمًا نابعًا من قناعة فنية بحتة، بل ارتبط في كثير من الحالات بظروف مالية صعبة حدّت من قدرة الأندية على إجراء تغييرات جديدة، أو بقناعة إدارات بعض الفرق بأن الخلل يتجاوز المدرب إلى عوامل أعمق داخل النادي. تكشف خارطة المدربين في الدوري السوري قصة موازية للمنافسة، عنوانها البحث عن التوازن في بيئة كروية تفتقر إلى الاستقرار طويل الأمد.
11 ناديًا يغيّرون مدربيهم
مع انتهاء مرحلة الذهاب من الدوري السوري الممتاز، تحولت مقاعد البدلاء إلى مسرح متقلب لموجة غير مسبوقة من الإقالات والاستقالات، حيث شهد 11 ناديًا تبديلات متكررة على مستوى الأجهزة الفنية. هذا الاضطراب كشف حجم الضغوط الإدارية والفنية التي تواجه الأندية، وجعل الاستقرار على مقاعد التدريب أمرًا نادرًا، في ظل محاولات مستمرة لتصحيح المسار وتحسين النتائج.
- الفتوة: بدأ الموسم مع محمد عقيل، قبل إقالته والتعاقد مع إسماعيل السهو، الذي لم ينجُ من سوء النتائج، ليتم فسخ عقده. تولى بعدها ياسر مصطفى المهمة، لكنه قدم استقالته بعد ثماني مباريات، ليُسند الفريق لاحقًا إلى معمر الهمشري.
- دمشق الأهلي: أعلن تعيين فراس معسعس مديرًا فنيًا للفريق، خلفًا لأنس مخلوف الذي قدم استقالته بعد سلسلة من النتائج السلبية، ليعود المعسعس إلى ناديه بعد تجربة سابقة مع الجيش خلال الموسم الحالي.
- الحرية: أنهى تعاقده مع ماهر البحري، ليتجه إلى التعاقد مع اللاعب الدولي السابق عبد الرزاق الحسين لقيادة الفريق في ما تبقى من المنافسات.
- الشعلة: شهد فسخ عقد هشام شربيني بالتراضي، ليتولى رائد البلخي المهمة في محاولة لتحسين نتائج الفريق.
- الشرطة: بدأ الموسم مع مصعب محمد الذي قدم استقالته، ليحل محله غسان معتوق لقيادة الفريق في بقية المرحلة.
- أمية: بدأت التجربة مع المغربي عبيس الإدريسي، قبل أن يخلفه سعيد اليازجي، ثم فراس معسعس الذي جاء بقرار من اللجنة الاستشارية للنادي، في ظل محاولات مستمرة لإعادة التوازن للفريق.
- الجيش: تعاقد مع طارق جبان بعد فسخ عقد فراس معسعس بالتراضي، ضمن تغييرات محدودة على الجهاز الفني.
- الكرامة: استقال المدرب المغربي بدر الإدريسي بسبب سوء النتائج، لتتجه الإدارة إلى التعاقد مع مصطفى الرجب في محاولة لتصحيح المسار.
- جبلة: شهد الفريق حالة من عدم الاستقرار الفني خلال مرحلة الذهاب، إذ تناوب على قيادته خمسة مدربين بين فترة التحضيرات ومباريات الدوري. البداية كانت مع مناف رمضان، الذي غادر منصبه قبل انطلاق المنافسات، ليتولى بعده سليم جبلاوي مهمة الإعداد، قبل أن ينفصل عن النادي بالتراضي نتيجة تباين في وجهات النظر مع الإدارة. لاحقًا، استلم محمد شديد القيادة، إلا أن فترته لم تطل، ليتم تعيين أكرم علي، الذي بدوره لم يكمل المشوار بعد خسارة الفريق أمام أهلي حلب في الجولة 14، ثم عادت الإدارة للتعاقد مع سليم جبلاوي مجددًا لقيادة الفريق.
- تشرين: استهل الفريق موسمه بقيادة محمد يوسف، الذي غادر منصبه عقب خسارة ثقيلة أمام أهلي حلب بنتيجة (6-2) في الجولة السابعة. بعدها تولى كنان ديب المهمة بشكل مؤقت، قبل أن تتجه الإدارة للتعاقد مع هشام كردغلي، إلا أن تجربته لم تستمر سوى جولة واحدة، ليعود ديب مجددًا لقيادة الفريق.
- حطين: كان محمد إسطنبلي آخر الراحلين عن مقاعد التدريب، بعدما قدم استقالته رسميًا يوم الجمعة ٣ نيسان. ورغم الرحيل، ترك إسطنبلي بصمة واضحة خلال مرحلة الذهاب، بعدما قاد حطين لتحقيق 26 نقطة في 15 مباراة، من خلال 7 انتصارات و5 تعادلات مقابل 3 هزائم، ليؤكد حضوره كأحد أبرز الفرق المنافسة رغم التعقيدات التي واجهت النادي.
مدربون صمدوا رغم العواصف
في مقابل موجة التغييرات الواسعة التي ضربت مقاعد البدلاء في الدوري السوري، برزت مجموعة محدودة من المدربين الذين تمكنوا من الحفاظ على مناصبهم حتى نهاية مرحلة الذهاب، في مشهد يعكس مزيجًا من الاستقرار الفني والثقة الإدارية، رغم تفاوت الظروف بين فرق القمة وأندية القاع.
- أهلي حلب: يواصل أحمد هواش قيادة الفريق بثبات نحو صدارة الترتيب، مستفيدًا من استقرار فني واضح انعكس على الأداء والنتائج، لا سيما مع امتلاك الفريق لأقوى خط هجوم في الدوري. ويُحسب لهواش نجاحه في بناء منظومة متكاملة، امتدادًا لما حققه في الموسم الماضي حين قاد الفريق للتتويج باللقب بعد حسم المواجهة الفاصلة أمام الكرامة.
- الطليعة: تمكن عمار الشمالي من تجاوز بداية غير مستقرة، ليعيد ترتيب أوراق الفريق تدريجيًا، حيث تحسن أداء الطليعة بشكل واضح مع مرور الجولات، ونجح في التقدم نحو مراكز المنافسة، مؤكدًا حضوره بين فرق المقدمة، إذ يحتل الفريق حاليًا المركز السادس.
- الوحدة: يُعد الوحدة النادي الوحيد في الدوري السوري الذي يخلو من المحترفين، ومع ذلك نجح رأفت محمد في تشكيل فريق محلي قادر على المنافسة، ليحتل الوحدة المركز الثاني بفارق ثلاث نقاط فقط عن المتصدر أهلي حلب.
- حمص الفداء: يقدم هيثم جطل موسمًا لافتًا مع الفريق، مستفيدًا من خبرته الطويلة على الصعيدين المحلي والقاري، ونجح في قيادة حمص الفداء باحتلاله المركز الثالث على سلم الترتيب بفارق ست نقاط عن أهلي حلب، مع امتلاكه مباراتين مؤجلتين، ما يبقيه ضمن دائرة المنافسة على القمة.
- خان شيخون: على الرغم من أن خان شيخون يمتلك 12 نقطة فقط من 15 مباراة ويعاني من أضعف خط دفاع في الدوري بتلقي 35 هدفًا، ويحتل المركز الثالث عشر، لا تزال الإدارة تثق في المدرب عبد الوهاب مخزوم وتمنحه فرصة للاستمرار وتحسين أوضاع الفريق.
مع انتهاء مرحلة الذهاب، يظهر الدوري السوري الممتاز هذا الموسم وكأنه ساحة معركة مفتوحة، حيث الفوضى الفنية والإدارية هي القاعدة لا الاستثناء. استقالات متتالية، إقالات مفاجئة، تغييرات متكررة في الأجهزة الفنية، وضغوط مالية خانقة، كلها عناصر جعلت استقرار أي فريق أمرًا شبه مستحيل. وفي ظل هذا المشهد المضطرب، تظل مرحلة الإياب مفتوحة على كل الاحتمالات، والسؤال الأبرز: من سيبقى صامدًا، ومن ستبتلعه دوامة الفوضى؟