“الدقّ”: الوشم التقليدي في الجزيرة السورية.. ذاكرة نساء ورموز تتلاشى بين الأجيال


هذا الخبر بعنوان "“الدقّ”.. يحكي ذاكرة نساء الجزيرة السورية" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لا تزال المجتمعات المحلية في الجزيرة السورية تحتفظ بذاكرة حية لعادات قديمة ارتبطت بحياة النساء والرجال لعقود طويلة، ومن أبرزها عادة الوشم التقليدي المعروف محليًا باسم “الدقّ”. كانت هذه الممارسة شائعة في أرياف محافظة الحسكة ومناطق الجزيرة عمومًا، قبل أن تشهد تراجعًا تدريجيًا مع تغير أنماط الحياة وتبدل القيم الاجتماعية.
لم يكن “الدقّ” مجرد زينة جسدية لدى النساء، بل كان يحمل دلالات اجتماعية وثقافية وأحيانًا علاجية عميقة. فقد ارتبط بالهوية المحلية والعادات المتوارثة، وشكّل جزءًا لا يتجزأ من صورة المرأة الريفية في المنطقة. ورغم أن هذا التقليد يظل حاضرًا بقوة في ذاكرة كبار السن اليوم، إلا أنه يكاد يختفي تمامًا بين الأجيال الجديدة التي استبدلته بأنواع حديثة من الوشوم المؤقتة أو الدائمة.
يُعد الوشم أو “الدقّ” من التقاليد التي توارثتها نساء الجزيرة السورية عبر أجيال متعاقبة، وكان ينتشر بشكل رئيس بين النساء، وإن كان بعض الرجال يضعون وشومًا على أذرعهم أو معاصمهم. تتنوع أشكال الوشم التقليدي بحسب المكان الذي يوضع فيه على الجسد، إضافة إلى الشكل أو الرمز المرسوم.
من أشهر هذه الأنواع ما يُعرف بـ“الرثمة”، وهو وشم يوضع عند طرف الشفة، و“زلف ونقطة” على الخد، و“كحلة القطا” قرب العين، إضافة إلى “الهلال” الذي يوضع بين الحاجبين. بينما يُعرف الخط الممتد من الشفة إلى أسفل الذقن باسم “السيالة”، ويُطلق على الخطين المرسومين على جانبي الفم اسم “اللجام”، فيما تسمى الوشوم القريبة من العينين “المراود”. كما تنتشر أنواع أخرى مثل “الحجول” في أسفل الساق، إلى جانب رسوم نباتية أو أشكال تشبه الورود توضع على الذراع، وقد تُرسم وشوم في أماكن أخرى مثل الرقبة أو الذقن أو الصدر. وتشير هذه التسميات إلى حضور الوشم في الحياة اليومية للنساء، إذ أصبح جزءًا من الثقافة المحلية وله مفرداته الخاصة التي يتداولها الناس.
في الغالب، كانت بعض أشكال الوشم بسيطة، مثل النقاط والخطوط المتقاطعة أو المتوازية، إضافة إلى مثلثات ورموز مستوحاة من الطبيعة، كالشمس أو الأشجار، وهي رموز تحمل دلالات ثقافية واجتماعية في المجتمعات الريفية.
تروي فوزة المحمود، السيدة السبعينية من ريف مدينة الحسكة، لعنب بلدي: “كنا صغارًا عندما كنا نرى النساء اللواتي يضعن الوشم وهن يمررن في القرى، فكنا نطلب من أهالينا أن يسمحوا لنا بوضع الدقّ مثل باقي الفتيات”. وتضيف أن “الدقّ” كان جزءًا طبيعيًا من حياة الفتيات في الماضي، وكن ينتظرن قدوم النساء اللواتي يمارسن هذه الحرفة لوضع الوشوم. كانت الفتيات يتنافسن على وضع الوشم، باعتباره نوعًا من الزينة والجمال، وكان يُنظر إليه بوصفه علامة أنوثة لدى المرأة. “كان الأمر أشبه بالمباهاة بين الفتيات”، بحسب فوزة، “فكل واحدة تحاول أن يكون لها وشم مميز أو أكثر من غيرها”. وذكرت أن بعض الفتيات كن يضعن أكثر من وشم في أماكن مختلفة من الجسم، مثل الذقن أو الجبين أو اليدين، ما يجعل مظهر الوشم جزءًا واضحًا من ملامح الوجه أو الجسد.
لم تكن عملية الوشم في الماضي تعتمد على أدوات طبية أو تقنيات حديثة، بل كانت تتم بوسائل بسيطة متوفرة في البيوت. قالت ميثة العلي، سيدة أخرى من ريف الحسكة، إن النساء اللواتي كن يقمن بعملية “الدقّ” كن يعتمدن على إبرتين ملتصقتين معًا، إضافة إلى مواد طبيعية تستخدم كصبغة. وأضافت ميثة، لعنب بلدي، “كانت المرأة التي تقوم بالوشم ترسم الشكل أولًا على الجلد باستخدام عود صغير، ثم تضع الكحل أو الشحار فوق الرسم”. “الشحار” هو السواد المتشكل أسفل أواني الطهو مثل القدر أو الصاج، وكان يُجمع ويُخلط مع قليل من الماء ليصبح مادة صبغية. وبعد رسم الشكل، تبدأ عملية الوخز بالإبرتين على طول الخطوط المرسومة، بحيث تدخل الصبغة تحت الجلد لتترك أثرًا دائمًا بلون أخضر مائل إلى الأزرق. وفي بعض الحالات، كانت الصبغة تُخلط مع مواد أخرى مثل حليب الأم أو بعض الأعشاب المطحونة، بحسب ما كان شائعًا في المنطقة. عملية الوشم لم تكن تخلو من الألم، لكنها كانت تُعد أمرًا طبيعيًا تتحمله الفتيات من أجل الزينة، أضافت ميثة.
إلى جانب دوره كزينة، استخدم الوشم في بعض الحالات لأغراض علاجية، بحسب ما ترويه نساء من المنطقة. قالت ميثة العلي إن الوشم كان يُوضع أحيانًا في أماكن الألم بالجسم، إذ كان يُعتقد أنه يساعد على تخفيف الألم. “كانت النساء يضعن الدقّ في اليدين أو المعصمين لأن العمل كان شاقًا، مثل الاحتطاب أو إعداد الخبز”، أضافت ميثة. وبحسب ميثة، فإن هذه الممارسة كانت شائعة بين النساء اللواتي يقمن بأعمال منزلية أو زراعية تتطلب جهدًا بدنيًا كبيرًا. كما كان البعض يعتقد أن بعض الوشوم قد تجلب الحظ أو تحمي من الحسد، أو تشير إلى الانتماء العشائري.
تختلف أسماء الوشوم وأماكنها باختلاف الشكل والموقع على الجسد، كما لم يقتصر “الدقّ” على الجانب الجمالي فقط، بل ارتبط أحيانًا باعتقادات شعبية مختلفة. بحسب مهتمين بالتراث الشعبي في الجزيرة السورية، فإن أشكال الوشم لم تكن عشوائية، بل استمدت الكثير من رموزها من البيئة الطبيعية والثقافية للمجتمع المحلي. قال الباحث والمهتم بالتراث في المنطقة حسن العبد الله، إن الوشم التقليدي يعكس جانبًا من الهوية الثقافية للجزيرة السورية. وأوضح، لعنب بلدي، أن الرموز المستخدمة في الوشوم غالبًا ما كانت بسيطة لكنها تحمل دلالات معينة. “نجد مثلًا رموز الشمس أو الأشجار أو الأشكال الهندسية مثل المثلثات والخطوط المتقاطعة، وهي رموز لها حضور في ثقافة المنطقة”، بحسب العبد الله. وأضاف أن هذه الرموز كانت تُرسم في أماكن مختلفة من الجسم، مثل الجبهة أو الذقن أو أطراف الأصابع أو أسفل الشفة. وفي بعض الحالات، كانت الوشوم توضع خلف الأذن أو عند مفصل الركبة لأغراض علاجية، وفقًا للمعتقدات الشعبية السائدة آنذاك.
رغم الانتشار الواسع الذي عرفه “الدقّ” في الماضي، فإن هذه العادة بدأت تتراجع بشكل ملحوظ خلال العقود الأخيرة. ويعزو الباحث والمهتم بالتراث في المنطقة حسن العبد الله ذلك إلى عدة عوامل، منها تغير أنماط الحياة، وازدياد الوعي الصحي، إضافة إلى التحولات الاجتماعية والثقافية التي شهدتها المنطقة. كما لعب التعليم وانتشار وسائل الإعلام دورًا في تغيير نظرة الأجيال الجديدة إلى هذه الممارسة. اليوم، نادرًا ما تقبل الفتيات على وضع الوشم التقليدي الدائم، في حين تلجأ بعضهن إلى وشوم مؤقتة تُستخدم في بعض المناسبات قبل إزالتها لاحقًا.
ومع تراجع هذه العادة، لا تزال آثار الوشم التقليدي واضحة على وجوه وأيدي العديد من النساء المسنّات في أرياف الحسكة والجزيرة السورية. وقالت فوزة المحمود، السيدة السبعينية من ريف مدينة الحسكة، إن الوشم أصبح اليوم جزءًا من الذاكرة أكثر مما هو عادة حية. “بناتنا اليوم لا يضعن الدقّ مثلنا”، أضافت فوزة، “لكن عندما يرونه على وجوهنا يسألن عنه، فنحكي لهن كيف كانت حياتنا في الماضي”. بالنسبة لكثير من نساء الجيل القديم، لم يعد الوشم مجرد زينة، بل تحول إلى علامة على زمن مضى، يحمل قصصًا عن الحياة الريفية والعمل الشاق والعادات التي شكّلت هوية المجتمع المحلي. وهكذا، يبقى “الدقّ” شاهدًا صغيرًا على صفحة الجلد، لكنه يختزن في طياته تاريخًا طويلًا من التقاليد والرموز التي طبعت حياة نساء الجزيرة السورية لعقود طويلة.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة