الصين: استراتيجية متعددة المسارات لتجاوز تداعيات أزمة الطاقة العالمية والحرب


هذا الخبر بعنوان "كيف تحاول الصين تجاوز تداعيات الحرب وأزمة الطاقة بأقل الخسائر الممكنة؟" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتواصل الحرب الأمريكية الإسرائيلية – الإيرانية مع تصعيد متزايد، مخلفةً تداعيات عميقة على المشهد العالمي، خصوصاً عبر أزمة طاقة واسعة النطاق طالت مختلف القطاعات الاقتصادية. تعود هذه الأزمة إلى اضطراب الإمدادات عبر مضيق هرمز وتراجع إنتاج النفط والغاز في منطقة الخليج، مما أثر بدرجات متفاوتة على دول العالم. في خضم هذا الوضع، تبرز الصين في موقع فريد يجمع بين تأثرها بهذه التداعيات واستعدادها لمواجهتها، نظراً لكونها أكبر مستورد للنفط الخام عالمياً وأكبر متلقٍ لتدفقات النفط التي تعبر مضيق هرمز.
وفقاً لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، تعتمد الصين بشكل كبير على إمدادات النفط من السعودية والعراق والإمارات والكويت وإيران، التي تشكل ما يقارب نصف وارداتها النفطية. كما تستورد نحو ربع احتياجاتها من الغاز الطبيعي المسال من قطر، مما يضعها نظرياً ضمن الدول الأكثر عرضة للتأثر بتداعيات هذه الحرب.
تكشف تقارير دولية أن الصين لم تُفاجأ تماماً بالصدمة الطاقية العالمية، بفضل استعداداتها الاستراتيجية التي امتدت لأكثر من عقدين، مما عزز مرونتها مقارنة بالعديد من الدول الأخرى. بدأ القلق الصيني مبكراً مع تحول البلاد إلى قوة صناعية عالمية في أواخر التسعينيات، حيث كان مضيق ملقا، الذي يمر عبره الجزء الأكبر من إمدادات النفط، يمثل مصدر قلق دائم. دفع هذا القلق بكين إلى إنشاء مخزون استراتيجي طارئ من النفط في عام 2004. تسارعت هذه الجهود بشكل ملحوظ مع بداية الولاية الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بين عامي 2017 و2021، حيث حفزت التوترات الجيوسياسية والتجارية الحكومة الصينية على تعزيز الاعتماد على الصناعات المحلية، واعتبارها ركيزة أساسية للأمن القومي، خاصة في قطاع الطاقة.
تساهم التحولات السريعة في أسواق السيارات الكهربائية بشكل كبير في تعزيز قدرة الصين على امتصاص صدمات الطاقة. فقد ارتفعت نسبة مبيعات هذه السيارات لتصل إلى نحو نصف إجمالي المبيعات قبل الموعد المستهدف، مما أدى إلى تقليص استهلاك الوقود والحد من نمو الطلب على النفط. يمتد تأثير هذا التحول ليشمل تخفيض الحاجة إلى الواردات النفطية، حيث تعادل الكميات التي تم الاستغناء عنها تقريباً حجم واردات الصين من السعودية، الأمر الذي يعكس تغيراً جوهرياً في هيكل الطلب.
تعمل الصين على تنويع مصادر طاقتها، حيث تطور شبكة كهرباء شبه مكتفية ذاتياً تعتمد بشكل أساسي على الفحم، بالتزامن مع توسع سريع في مصادر الطاقة المتجددة، خاصة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. كما تعمل بكين على تطوير تقنيات لتحويل الفحم المحلي إلى مواد بتروكيميائية، مما يقلل من اعتمادها على النفط المستورد. وقد ارتفع استخدام الفحم في الصناعات الكيميائية من 155 مليون طن في عام 2020 إلى 276 مليون طن في عام 2024، مع توقع زيادة إضافية بنسبة 15 بالمئة في عام 2025. وتعزز الصين بذلك مكانتها كمنتج صناعي عالمي، حيث تنتج ثلاثة أرباع البوليستر والنايلون، ونحو ثلث الأسمدة النيتروجينية عالمياً، ويعتمد 80 بالمئة من إنتاجها على الفحم.
تتبع بكين استراتيجية واسعة لتنويع واردات النفط، حيث تستورد من روسيا وإيران ودول الخليج ومصادر أخرى، مع التأكيد على ألا تتجاوز حصة أي دولة 20 بالمئة من إجمالي الواردات، مما يمنحها مرونة أكبر في مواجهة الاضطرابات. كما تعزز الصين أمنها الطاقي من خلال بناء احتياطيات استراتيجية ضخمة، ورفع الإنتاج المحلي إلى حوالي 4.3 ملايين برميل يومياً. بالإضافة إلى ذلك، تعمل على توسيع شبكات نقل الغاز التي تربطها بمصادر برية في روسيا وآسيا الوسطى وميانمار، مما يقلل من اعتمادها على الشحنات البحرية المعرضة للمخاطر.
تؤكد المعطيات أن هذه الاستراتيجية متعددة المسارات قد أثبتت فعاليتها عملياً. فبالرغم من اضطراب الإمدادات عبر مضيق هرمز، تمكنت الصين من الحفاظ على استقرار الطاقة داخلياً، وتأمين احتياجات قطاعي النقل والصناعة، مع الإبقاء على أسعار الأسمدة المحلية عند أقل من نصف مستوياتها العالمية، في سعي حثيث لتجاوز تداعيات الأزمة بأقل الخسائر الممكنة.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد