سوريا: نساء المفقودين في الحرب يواجهن فراغًا قانونيًا ومطالبات بتعديل تشريعات الأحوال الشخصية


هذا الخبر بعنوان "سوريا.. زوجات رجال مفقودين في الحرب يطالبن بإنصافهن" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في إطار شراكة إعلامية بين عنب بلدي وDW، تُسلط هذه المادة الضوء على واقعٍ مريرٍ تعيشه أكثر من 100 ألف امرأة سورية، حيث يظل نسيان الحرب أمرًا مستحيلاً بالنسبة لهن. فوفقًا للأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان السورية، لا يزال ما بين 150 إلى 170 ألف شخص، غالبيتهم من الرجال، في عداد المفقودين. اختفى معظم هؤلاء قسرًا بعد تصاعد حدة الثورة ضد النظام عام 2011 وتحولها إلى حرب أهلية، شهدت اعتقال ما بين مليون إلى مليوني إنسان، ومقتل حوالي 600 ألف شخص في المواجهات بين قوات النظام والجماعات المتمردة، انتهى المطاف بالعديد منهم في مقابر مجهولة.
انتهت الحرب الأهلية السورية في كانون الأول/ديسمبر 2024، عندما نجح تحالف من جماعات متمردة بقيادة “هيئة تحرير الشام” التي يتزعمها الرئيس السوري الحالي أحمد الشرع، في الإطاحة بالرئيس السوري السابق المخلوع بشار الأسد الذي حكم البلاد لحوالي ربع قرن.
تجسد قصة نورا، البالغة من العمر 33 عاماً، وهي سيدة سورية من مدينة الدانا الواقعة على بُعد 40 كيلومتراً غرب مدينة حلب، المعاناة اليومية. في مقابلة مع DW، وصفت نورا وضعها قائلة: “أنا لست متزوجة ولا أرملة”. وطلبت الأم عدم نشر اسم عائلتها خوفاً من انتقام عائلة زوجها، حيث العلاقات متوترة بينهما. فقدت نورا الأمل في عودة زوجها الذي اختفى منذ 14 عاماً، ومع ذلك، تواجه مصاعب جمة في حياتها، إذ لا تستطيع المضي قدماً لأن عائلة زوجها لجأت إلى المحكمة عندما تقدمت بطلب للحصول على شهادة وفاة لزوجها المفقود.
تُعد تشريعات قانون الأحوال الشخصية لعام 1953، التي تعود إلى عقود مضت، أحد أركان التشريع السوري حتى يومنا هذا. ينص القانون، على سبيل المثال، على أن المحكمة تستطيع إعلان وفاة شخص مفقود عندما يبلغ سن الثمانين. كما يمكن إثبات افتراض قانوني للوفاة بعد مرور أربع سنوات على الاختفاء، في حال كان ذلك نتيجة لنزاع مسلح أو عمليات عسكرية أو ظروف مماثلة. إضافة إلى ذلك، يمنح القانون الأقارب الذكور سلطة اتخاذ القرار في قضايا قانونية مهمة. بالنسبة لنورا، يعني هذا أنها لا تستطيع الزواج ثانية أو وراثة ممتلكات أو المطالبة بمعاش تقاعدي أو الحصول على الحضانة الكاملة لابنها بدون موافقة عائلة زوجها على استخراج شهادة وفاة لزوجها المفقود. وتوضح أن ابنها بحاجة للحصول على موافقة الأقارب لأي وثيقة رسمية، حتى يبلغ سن الـ18 عاماً، مؤكدة أن توقيعها لا يُقبل وأن عائلة زوجها لا تدعمها البتة.
هبة زيدان، الباحثة في قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة “هيومن رايتس ووتش”، أكدت لـ DW أن “هذه ليست مسألة ثانوية”. وأضافت أن “مع وجود أكثر من 100 ألف مفقود في سوريا، تُعاني زوجاتهم من فراغ قانوني واقتصادي، ويُحرم أطفالهم من الوثائق اللازمة للحصول على التعليم والرعاية الصحية”. وترى زيدان أن تغيير هذا الوضع لا بُدّ من أن يكون في صُلب أي حوار جاد بشأن العدالة الانتقالية والمساواة بين الجنسين في سوريا.
على الرغم من أن الحكومة الانتقالية في سوريا أنشأت ما يُطلق عليها “الهيئة الوطنية للمفقودين”، إلا أن الإصلاحات الجوهرية لقوانين الأسرة قد تم تأجيلها ولم يدُر أي نقاش حقيقي بشأنها. الأستاذة لينا-ماريا مولر، الباحثة في كلية الحقوق بجامعة قطر، أشارت في مدونة على الموقع الإلكتروني لكلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية إلى أنه “نظراً لتنوع السكان في سوريا من الناحية الدينية والعرقية، فإن تطبيق قانون أسرة موحد في جميع أنحاء البلاد أمر بعيد كل البعد عن الواقعية”. واقترحت أن “النهج الأكثر قابلية للتطبيق يكمن ربما في وجود مشهد متنوع لقوانين الأسرة يمنح شرائح المجتمع الرئيسية درجة معينة من الاستقلالية، مع ضمان هيكل قانوني متماسك، في ذات الوقت”، مضيفة أن “مثل هذا النهج قد يتماشى مع الأهداف المعلنة للحكومة الانتقالية السورية المتمثلة في احترام الأقليات ودمج جميع الشرائح الاجتماعية”.
في غضون ذلك، قيّدت وزارة العدل الصلاحيات والمرونة التي كان يتمتع بها القضاة في منح الوصاية للأمهات في غياب الآباء. هذا ما أوضحته لينا غوتوق، الباحثة والخبيرة الحقوقية السورية لـ DW. منذ ديسمبر 2025، يُحدد هذا التعديل، المعروف أيضاً باسم “التعميم رقم 17″، الوصاية القانونية على القاصرين ويمنحها لقائمة طويلة من الأقارب الذكور، ويُهمّش دور الأمهات. وتُشير غوتوق إلى أن هذا يُعد “تشديداً تدريجياً للتمييز ضد الأمهات، ويؤثر بشكل خاص على زوجات المختفين”، مما يزيد من تفاقم وضع هؤلاء النساء اللواتي يعانين من مأزق اجتماعي وقانوني.
شكّل إصدار “التعميم رقم 17” نقطة تحول بالنسبة للناشطة يافا نواف، المقيمة في حلب، والتي صرحت لـ DW: “القانون لا ينصفنا، بما في ذلك فيما يتعلق بالنفقة والاحتياجات الأساسية”. عندما أطلقت الناشطة البالغة من العمر 39 عاماً مبادرة “أطفالي، حقي” على وسائل التواصل الاجتماعي، انضمت إليها آلاف النساء من جميع أنحاء سوريا. وتؤكد أن جميع النساء المعنيات لا يستطعن الحصول حتى على أبسط وثائق الهوية لأطفالهن، إلا من خلال وصيّ إجباري. وتطالب نواف مجلس الشعب، في سياق الدستور الجديد، بتعديل قانون الأحوال الشخصية بشكل جذري، لا سيما فيما يتعلق بالحضانة والوصاية، معتبرة أن تغيير القانون لم يعد مجرد خيار بالنسبة لها، بل “نضال من أجل البقاء”. وفي الوقت نفسه، تدرك هي والنساء الأخريات خطر أن يكون هناك رد فعل اجتماعي سلبي من المجتمع.
يتفق كريستيان براكيل، مدير مكتب مؤسسة هاينريش بول الألمانية في بيروت، مع هذا الرأي، قائلاً: “حتى الآن، لم تحدث تغييرات تُذكر بالنسبة للنساء، على الرغم من أنهن تحمّلن نصيباً كبيراً من العبء خلال الحرب، وعلى الرغم من التطورات الهامة في سوريا”. ويرى الخبير في المؤسسة المقربة من حزب الخضر أن المشكلة لا تكمُن في النظام القانوني فحسب، بل أيضاً في العقلية السائدة في العديد من المؤسسات الحكومية التي يهيمن عليها الرجال.
سوريا محلي
اقتصاد
سوريا محلي
سوريا محلي